فهرس الكتاب
ومَثَّلَ أيضًا بـ (الذين) و (اللاتِ) ، والمرادُ بهما ما دَخَلَ عليه (ألْ) من الموصولاتِ، وهو مبنيٌّ على أنَّ تعريفَ الموصولِ بالصلةِ، فتكونُ الألفُ واللامُ زائدةً، وهو مَذْهَبُ قومٍ، واخْتَارَهُ المصنِّفُ، وذَهَبَ قومٌ إلى أنَّ تعريفَ الموصولِ بـ (أل) إنْ كانَتْ فيه نحوُ: (الذي) ، فإنْ لم تَكُنْ فيه فبِنِيَّتِهَا نحوُ: (مَن وما) ، إلاَّ (أيًّا) ؛ فإنَّها تَتَعَرَّفُ بالإضافةِ، فعلى هذا المَذْهَبِ لا تكونُ الألفُ واللامُ زائدةً، وأمَّا حَذْفُها في قراءةِ مَن قَرَأَ: (صِرَاطَ لَذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فلا يَدُلُّ على أنها زائدةٌ؛ إذ يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ حُذِفَتْ شذوذًا، وإنْ كانَتْ مُعَرِّفَةً كما حُذِفَتْ من قولِهم: (سلامُ عليكمْ) مِن غيرِ تنوينٍ، يُرِيدُونَ: (السلامُ عليكُمْ) .
وأمَّا الزائدةُ غيرُ اللازمةِ فهي الداخلةُ اضطرارًا على العَلَمِ؛ كقولِهِم: في (بناتِ أوبرَ) عَلَمٍ لضَرْبٍ مِن الكَمْأَةِ: (بناتُ الأَوْبَرِ) ، ومِنه قولُه:
36 -وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلًا ... ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأَوْبَرِ [1]
والأصلُ (بناتُ أَوْبَرَ) ، فزِيدَتِ الألفُ واللامُ، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ (بناتِ أَوْبَرَ) ليسَ بعَلَمٍ، فالألفُ واللامُ عندَه غيرُ زائدةٍ، ومِنه الداخلةُ اضطرارًا على التمييزِ؛ كقولِه:
(1) هذا البيتُ مِن الشواهدِ التي لم يَعْرِفُوا لها قائلًا، ومِمَّنِ اسْتَشْهَدَ به أبو زَيْدٍ في النوادِرِ.
اللغةُ: (جَنَيْتُكَ) معناه جَنَيْتُ لكَ، ومثلُه ـ في حذفِ اللامِ وإيصالِ الفعلِ إلى ما كانَ مجرورًا ـ قولُه تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} ، و {يَبْغُونَهَا عِوَجًا} ، و {الْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} . (أَكْمُؤًا) جمعُ كُمْءٍ، بزِنَةِ فَلْسٍ، ويُجْمَعُ الكمْءُ على كَمْأَةٌ أيضًًا، فيكونُ المفردُ خاليًا من التاءِ وهي في جمعِه، على عكسِ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وهذا من نوادِرِ اللغةِ، (وعَسَاقِلًا) جمعُ عُسْقُولٍ، بزِنَةِ عُصْفُورٍ، وهو نوعٌ مِن الكَمْأَةِ، وكانْ أصلُه عَسَاقِيلَ، فحُذِفَتِ الياءُ كما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} فإنَّه جمعُ مِفْتَاحٍ، وكانَ قياسُه مَفَاتِيحَ، فحُذِفَتِ الياءُ، ويُقالُ: المفاتِحُ جمعُ مَفْتَحٍ، وليسَ جَمْعَ مِفْتَاحٍ، فلا حَذْفَ، وكذا يُقالُ: العَسَاقِلُ جمعُ عَسْقَلٍ، بزِنَةِ جَعْفَرٍ، و (بَنَاتِ الأَوْبَرِ) كَمْأَةٌ صِغَارٌ مُزْغِبَةٌ كَلَوْنِ التُّرابِ.
وقالَ أبو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ: بناتُ أَوْبَرَ كمْأَةٌ كأمثالِ الحَصَى صِغَارٌ وهي رديئةُ الطعمِ.
الإعرابُ: (وَلَقَد) الواوُ للقَسَمِ، واللامُ للتأكيدِ، وقد: حَرْفُ تحقيقٍ، (جَنَيْتُكَ) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ أوَّلُ، (أَكْمُؤًا) مفعولٌ ثانٍ، (وَعَسَاقِلًا) معطوفٌ على قولِهِ: أَكْمُؤًا، (وَلَقَدْ) الواوُ عاطفةٌ، واللامُ مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، و (قدْ) حرفُ تحقيقٍ، (نَهَيْتُكَ) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، (عَنْ) حرفُ جرٍّ، (بَنَاتِ) مجرورٌ بعَنْ، وبناتِ مضافٌ و (الأَوْبَرِ) مضافٌ إليه.
الشاهدُ فيه: قولُهُ: (بَنَاتِ الأوبرِ) حيثُ زادَ (ألْ) في العَلَمِ مُضْطَرًّا؛ لأنَّ (بنَاتِ أَوْبَرَ) عَلَمٌ على نوعٍ مِن الكَمْأَةِ رَدِيءٌ، والعَلَمُ لا تَدْخُلُه (أل) فِرارًا مِن اجتماعِ مُعَرِّفَيْنِ، وهما حينَئذٍ العَلَمِيَّةُ وألْ، فزَادَهَا هنا ضرورةً، قالَ الأَصْمَعِيُّ: (وأما قولُ الشاعِرِ:
* ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأَوْبَرِ *
فإنَّه زادَ الألفَ واللامَ للضرورةِ، وكقولِ الراجِزِ:
بَاعَدَ أُمَّ الْعَمْرِو مِنْ أَسِيرِهَا ... حُرَّاسُ أَبْوَابٍ لَدَى قُصُورِهَا
(وقدْ سَبَقَ لنا ذِكْرُ هذا البيتِ في بابِ العَلَمِ، ونَسَبْنَاهُ هُنَاكَ لأَبِي النَّجْمِ العِجْلِيِّ) ، وقولِ آخَرَ:
يا لَيْتَ أُمَّ الْعَمْرِو كَانَتْ صَاحِبِي ... مَكَانَ مَن أَشْتَى عَلَى الرَّكَائِبِ
قالَ: وقدْ يَجُوزُ أنَّ أَوْبَرَ نكرةٌ فعَرَّفَه باللامِ، كما حَكَى سِيبَوَيْهِ أنَّ عِرْسًا مِن ابنِ عِرْسٍ قد نَكَّرَهُ بعضُهم فقالَ: هذا ابنُ عِرْسٍ مُقْبِلٌ). اهـ كلامُ الأَصْمَعِيِّ.