الصفحة 126 من 811

ولاضْطِرَارٍ كَبَنَاتِ الأَوْبَرِ ... كذا و (طِبْتَ النَّفْسَ يَا قَيْسُ) السَّرِي [1]

ذَكَرَ المصنِّفُ في هذيْن البيتيْنِ أنَّ الألفَ واللامَ تأتي زائدةً، وهي في زِيادَتِها على قسميْنِ: لازمةٍ وغيرِ لازمةٍ.

ثُمَّ مَثَّلَ الزائدةَ اللازمةَ بـ (اللاتِ) [2] وهو اسمُ صَنَمٍ كانَ بمكَّةَ، وبـ (الآنَ) وهو ظرفُ زمانٍ مبنيٌّ على الفتحِ [3] ، واخْتُلِفَ في الألفِ واللامِ الداخلةِ عليه؛ فذَهَبَ قومٌ إلى أنها لتعريفِ الحضورِ؛ كما في قولِكَ: (مَرَرْتُ بهذا الرجلِ) ؛ لأنَّ قَوْلَكَ: (الآنَ) بمعنى: هذا الوقتَ، وعلى هذا لا تكونُ زائدةً.

وذَهَبَ قومٌ - مِنهم المصنِّفُ - إلى أنها زائدةٌ، وهو مبنيٌّ لِتَضَمُّنِهِ معنى الحرفِ، وهو لامُ الحضورِ.

(1) (لاضْطِرَارٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتُزَادُ، (كَبَنَاتِ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، وهي ومجرورُها يَتَعَلَّقَانِ بمحذوفٍ خبرٍ؛ أي: وذلكَ كائنٌ كقولِكَ ... إلخ، وبناتِ مضافٌ و (الأوبرِ) مضافٌ إليه، (كَذَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ مِن مادَّةِ القولِ محذوفٌ أيضًًا، (طِبْتَ) فعلٌ وفاعلٌ، (النفْسَ) تَمْيِيزٌ، (يا) حرفُ نداءٍ، (قَيْسُ) منادًى مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ نصبٍ، (السَّرِي) نعتٌ له، وتقديرُ الكلامِ: وقولُكَ: (طِبْتَ النفسَ يا قَيْسُ) كذلكَ.

(2) مثلُ اللاتِ كلُّ عَلَمٍ قَارَنَتْ (ألْ) وَضْعَه لمعناه العَلَمِيِّ، سواءٌ أكانَ مُرْتَجَلًا أمْ كانَ منقولًا، فمثالُ المُرْتَجَلِ من الأعلامِ التي فيها (ألْ) وقد قَارَنَتْ وَضْعَهُ: السَّمَوْءَلُ، وهو اسمُ شاعرٍ جاهليٍّ مشهورٍ يُضْرَبُ به المَثَلُ في الوفاءِ.

ومثالُ المنقولِ من الأعلامِ التي فيها (ألْ) وقد قارَنَتْ وَضْعَهُ للعَلَمِيَّةِ أيضًًا: العُزَّى، وهو في الأصلِ مُؤَنَّثُ الأعزِّ وصفٌ مِن العِزَّةِ، ثمَّ سُمِّيَ به صَنَمٌ أو شجرةٌ كانَتْ غَطَفَانُ تَعْبُدُها، ومِنه اللاَّتُ، وهو في الأصلِ اسمُ فاعلٍ من لَتَّ السَّوِيقَ يَلُتُّه، ثمَّ سُمِّيَ به صَنَمٌ، وأصلُه بتشديدِ التاءِ، فلَمَّا سُمِّيَ به خُفِّفَتْ تَاؤُه؛ لأنَّ الأعلامَ كثيرًا ما يُغَيَّرُ فيها، ومِنه (الْيَسَعُ) فإنَّ أصلَه فعلٌ مضارعٌ ماضيه وَسِعَ ثمَّ سُمِّيَ به.

(3) أكثرُ النحاةِ على أنَّ (الآنَ) مبنيٌّ على الفتحِ، ثمَّ اخْتَلَفُوا في سببِ بنائِه؛ فذَهَبَ قومٌ إلى أنَّ عِلَّةَ بنائِه تَضَمُّنُه معنى (ألِ) الحُضُورِيَّةِ، وهذا الرأيُ هو الذي نَقَلَه الشارِحُ عن المصنِّفِ وجماعةٍ، وهؤلاء يقولونَ: إنَّ (ألِ) الموجودةَ فيه زائدةٌ، وبناؤُه لِتَضَمُّنِهِ معنَى (ألْ) أُخْرَى غيرِ موجودةٍ، ونظيرُ ذلكَ بناءُ (الأَمْسِ) في قولِ نُصَيْبِ بنِ رَبَاحٍ:

وإِنِّي وَقَفْتُ الْيَوْمَ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... بِبَابِكَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ

فإنَّهم جَعَلُوا بِنَاءَهُ في هذا وما أَشْبَهَهُ لِتَضَمُّنِهِ معنَى (ألْ) غيرِ الموجودةِ فيه، وهذا عجيبٌ منهم؛ لأنَّهم أَلْغَوُا الموجودَ، واعْتَبَرُوا المعدومَ، وقالَ قومٌ: بُنِيَ (الآنَ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الإشارةِ، فإنَّه بمعنَى: هذا الوقتَ، وهذا قولُ الزَّجَّاجِ، وقيل: بُنِيَ (الآنَ) لِشَبَهِهِ بالحرفِ شَبَهًا جُمُودِيًّا، ألا تَرَى أنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُصَغَّرُ؟ بخلافِ غيرِه من أسماءِ الزمانِ؛ كحِينَ ووَقْتَ وزَمَنَ وسَاعَةَ.

ومِن الناسِ مَن يَقُولُ: الآنَ اسمُ إشارةٍ إلى الزمانِ، كما أن هنا اسمُ إشارةٍ إلى المكانِ، فبناؤُه على هذا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنًى كانَ حَقُّه أنْ يُؤَدَّى بالحرفِ، ومِن النحاةِ مَن ذَهَبَ إلى أنه مُعْرَبٌ، وأنه ملازِمٌ للنصبِ على الظرفيَّةِ، وقد يَخْرُجُ عنها إلى الجرِّ بمِن، فيقالُ: سَأُحَالِفُكَ مِن الآنِ. بالجرِّ.

ويقولُ صاحِبُ النُّكَتِ: (وهذا قولٌ لا يُمْكِنُ القدحُ فيه، وهو الراجِحُ عِنْدِي، والقولُ بِبِنَائِه لا تُوجَدُ له عِلَّةٌ صحيحةٌ) . اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت