فهرس الكتاب
الكلامُ لم يَكُنْ مبتدأً، نحوُ: (أقائمٌ أبواه زَيْدٌ) ، فزيدٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وقائمٌ خَبَرٌ مقدَّمٌ، وأبواه فاعلٌ بقائمٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ (قائمٌ) مبتدأً؛ لأنَّه لا يُسْتَغْنَى بفاعلِه حينَئذٍ؛ إذ لا يُقالُ: (أقائمٌ أَبَوَاهُ) فيَتِمَّ الكلامُ، وكذلك لا يَجُوزُ أنْ يكونَ الوصفُ مبتدأً إذا رَفَعَ ضميرًا مُسْتَتِرًا، فلا يُقالُ في (ما زيدٌ قائمٌ ولا قاعدٌ) : إنَّ (قاعدًا) مبتدأٌ والضميرَ المستترَ فيه فاعلٌ أَغْنَى عن الخبرِ؛ لأنَّه ليسَ بمُنْفَصِلٍ، على أنَّ في المسألةِ خِلافًا [1] ، ولا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ الاستفهامُ بالحرفِ كما مُثِّلَ، أو بالاسمِ كقولِكَ: كيفَ جالسٌ العَمْرَانِ [2] ؟ وكذلك لا فرقَ بينَ أنْ يكونَ النفيُ بالحرفِ كما مُثِّلَ، أو بالفعلِ كقولِكَ: (ليسَ قائمٌ الزيدانِ) ، فليسَ فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، وقائمٌ اسمُه، والزيدانِ فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ خبرِ ليسَ، وتقولُ: (غيرُ قائمٍ الزيدانِ) فغيرُ مبتدأٌ، وقائمٌ مخفوضٌ بالإضافةِ، والزيدانِ فاعلٌ بقائمٌ سَدَّ مَسَدَّ خبرِ غيرُ؛ لأنَّ المعنَى: ما قائمٌ الزيدانِ، فعُومِلَ (غيرُ قائمٍ) معاملةَ: (ما قائِمٌ) ، ومنه قولُه:
38 -غَيْرُ لاَهٍ عِدَاكَ فاطَّرِحِ اللَّهْوَ ولا تَغْتَرِرْ بِعَارِضِ سَِلْمِ [3]
فغيرُ مبتدأٌ، ولاهٍ مخفوضٌ بالإضافةِ، وعِدَاكَ فاعلٌ بِلاهٍ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِ غيرُ، ومِثْلُه قولُه:
39 -غيرُ مَأْسُوفٍ عَلَى زَمَنٍ يَنْقَضِي بِالْهَمِّ وَالْحَزَنِ [4]
(1) سَنَبْسُطُ القولَ في هذه المسألةِ قريبًا (انْظُرْ ص 192 من هذا الجزءِ) .
(2) (كيفَ) اسمُ استفهامٍ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ نصبِ حالٍ مِن (العَمْرَانِ) الآتِي، و (جَالِسٌ) مبتدأٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، و (العَمْرانِ) فاعلٌ بجَالِسٍ أَغْنَى عن الخبرِ، مرفوعٌ بالألفِ نيابةً عن الضمَّةِ؛ لأنَّه مُثَنًّى.
(3) لم أَقِفْ لهذا الشاهدِ على نسبةٍ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ.
اللغةُ: (لاهٍ) اسمُ فاعلٍ مأخوذٌ مِن مَصْدَرِ لَهَا يَلْهُو، وذلك إذا تَرَكَ وسَلاَ ورَوَّحَ عن نفسِه بما لا تَقْتَضِيهِ الحكمةُ، ولكنَّ المرادَ هنا لازمُ ذلكَ، وهو الغَفلةُ، (اطَّرِحِ) - بتشديدِ الطاءِ - أي: اتْرُكْ، (سَِلْمِ) - بكسرِ السينِ أو فتحِها - أي: صُلْحٍ ومُوَادَعَةٍ، وإضافةُ عارِضٍ إليه مِن إضافةِ الصفةِ للموصوفِ.
المعنى: إنَّ أعداءَكَ لَيْسُوا غافلينَ عنكَ، بل يَتَرَبَّصُونَ بِكَ الدوائرَ، فلا تَرْكَنْ إلى الغفلةِ ولا تَغْتَرَّ بما يَبْدُو لكَ مِنهم مِن المُهادَنَةِ وتَرْكِ القِتالِ؛ فإنَّهم يَأْخُذُونَ في الأُهْبَةِ والاستعدادِ.
الإعرابُ: (غَيْرُ) مبتدأٌ، وغيرُ مضافٌ و (لاَهٍ) مضافٌ إليه، (عِدَاكَ) عِدَى: فاعلُ لاَهٍ سَدَّ مَسَدَّ خبرِ غَيْرُ؛ لأنَّ المضافَ والمضافَ إليه كالشيءِ الواحدِ، وعِدَى مضافٌ وضَمِيرُ المخاطَبِ مضافٌ إليه، (فاطَّرِح) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (اللَّهْوَ) مفعولٌ به لاطَّرِحْ، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، لا: ناهيةٌ، (تَغْتَرِرْ) فعلٌ مضارِعٌ مجزومٌ بلا الناهيَةِ، وعلامةُ جَزْمِهِ السكونُ، وفاعِلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (بعارِض) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ (تَغْتَرِرْ) ، وعارِض مضافٌ و (سَِلْمِ) مضافٌ إليه.
الشاهدُ فيه: قولُه: (غيرُ لاهٍ عِدَاكَ) حيثُ اسْتَغْنَى بفاعلِ (لاَهٍ) عن خبرِ المبتدأِ، وهو غيرُ؛ لأنَّ المبتدأَ المضافَ لاسمِ الفاعلِ اسمٌ دالٌّ على النفيِ، فكأنه (ما) في قولِكَ: (ما قائمٌ مُحَمَّدٌ) ، فالوصفُ مخفوضٌ لفظًا بإضافةِ المبتدأِ إليه، وهو في قُوَّةِ المرفوعِ بالابتداءِ. وللكلامِ بقيَّةٌ تأتي في شرحِ الشاهدِ التالي لهذا الشاهدِ.
(4) البيتُ لأبي نُوَاسٍ الحَسَنِ بنِ هانئِ بنِ عبدِ الأوَّلِ الحَكَمِيِّ، وهو ليسَ ممَّن يُسْتَشْهَدُ بكلامِه، وإنما أَوْرَدَهُ الشارِحُ مثالًا للمسألةِ؛ ولهذا قالَ: (ومِثْلُهُ قَوْلُه) . وبعدَ هذا البيتِ المُمَثَّلِ به بيتٌ آخَرُ، وهو:
إِنَّمَا يَرْجُو الحَيَاةَ فَتًى ... عاشَ فِي أَمْنٍ مِنَ الْمِحَنِ
اللغةُ: (مَأْسُوفٍ) اسمُ مفعولٍ مِن الأَسَفِ، وهو أشدُّ الحُزْنِ، وفعلُه من بابِ فَرِحَ، وزَعَمَ ابنُ الخَشَّابِ أنه مصدرٌ جاءَ على صِيغةِ اسمِ المفعولِ، مثلُ: المَيْسُورِ، والمَعْسُورِ، والمجلُودِ، والمحلوفِ، بمعنى اليُسْرِ والعُسْرِ والجَلْدِ والحَلِفِ ـ ثمَّ أُرِيدَ به اسمُ الفاعلِ، وسَتَعْرِفُ في بيانِ الاستشهادِ ما أَلْجَأَهُ إلى هذا التكلُّفِ، ووجهَ الردِّ عليه.
المعنى: أنه لا يَنْبَغِي لعاقلٍ أنْ يَأْسَفَ على زمنٍ ليسَ فيه إلاَّ هُمُومٌ تَتْلُوها همومٌ، وأحزانٌ تأتي من ورائِها أحزانٌ، بل يَجِبُ عليه أنْ يَسْتَقْبِلَ الزمانَ بغيرِ مُبالاةٍ ولا اكتراثٍ.
الإعرابُ: (غيرُ) مبتدأٌ، وغيرُ مضافٌ و (مأسوفٍ) مضافٌ إليه، (على زَمَنٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمأسوفٍ، على أنه نائبُ فاعلٍ سَدَّ مَسَدَّ خبرِ المبتدأِ، (يَنْقَضِي) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (زَمَنٍ) ، والجملةُ من يَنْقَضِي وفاعلِه في مَحَلِّ جرِّ صفةٍ لزَمَنٍ، (بالهَمِّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في يَنْقَضِي، (والحَزَنِ) الواوُ حرفُ عطفٍ، والحَزَنِ: معطوفٌ على الهَمِّ.
التمثيلُ به: في قولِهِ: (غيرُ مأسوفٍ على زَمَنٍ) حيثُ أَجْرَى قولَه: (على زَمَنٍ) النائبَ عن الفاعلِ مُجْرَى الزيديْنِ في قولِك: (ما مضروبٌ الزيدانِ) في أنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ؛ لأنَّ المتضايِفَيْنِ بمنزلةِ الاسمِ الواحدِ، فحيثُ كانَ نائبُ الفاعلِ يَسُدُّ معَ أَحَدِهما مَسَدَّ الخبرِ فإنَّه يَسُدُّ معَ الآخرِ أيضًًا، وكأنه قالَ: (ما مأسوفٌ على زَمَنٍ) على ما بَيَّنَّاهُ في الشاهدِ السابقِ.
هذا أحدُ توجيهاتٍ ثلاثةٍ في ذلكَ ونحوِه، وإليه ذَهَبَ ابنُ الشَّجَرِيِّ في أَمَالِيهِ.
والتوجيهُ الثاني لابنِ جِنِّيٍّ وابنِ الحاجِبِ، وحاصلُه أنَّ قولَه: (غيرُ) خبرٌ مقدَّمٌ، وأصلُ الكلامِ: (زَمَنٌ يَنْقَضِي بالهَمِّ غيرُ مأسوفٍ عليه) ، وهو توجيهٌ ليسَ بشيءٍ؛ لِمَا يَلْزَمُ عليه من التكلُّفاتِ البعيدةِ؛ لأنَّ العبارةَ الواردةَ في البيتِ لا تَصِيرُ إلى هذا إلاَّ بتكَلُّفٍ كثيرٍ.
والتوجيهُ الثالثُ لابنِ الخَشَّابِ، وحاصلُه أنَّ قولَه: (غيرُ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه (أنا غيرُ ... إلخ) ، وقولَه: (مأسوفٍ) ليسَ اسمَ مفعولٍ، بل هو مصدرٌ مِثْلُ: (المَيْسُورِ، والمعسورِ، والمجلودِ، والمحلوفِ) وأرادَ به هنا اسمَ الفاعلِ، فكأنه قالَ: (أنا غيرُ آسِفٍ ... إلخ) . وانْظُرْ ما فيه من التكلُّفِ والمشقَّةِ والجَهْدِ.
ومثلُ هذا البيتِ والشاهدِ السابقِ قولُ المُتَنَبِّي يمدحُ بَدْرَ بنَ عَمَّارٍ:
ليسَ بالمُنْكَرِ أَنْ بَرَّزْتَ سَبْقًا ... غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنِ السَّبْقِ العِرَابُ
فغيرُ: مبتدأٌ، وهو مضافٌ إلى مدفوعٍ، والعِرابُ: نائبُ فاعلٍ لمدفوعٍ سدَّ مسدَّ خبرِ غيرُ.