فهرس الكتاب
ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ إلاَّ الأخفشَ أنَّ هذا الوصفَ لا يكونُ مبتدأً إلاَّ إذا اعْتَمَدَ على نفيٍ أو استفهامٍ [1] ، وذَهَبَ الأخفشُ والكُوفِيُّونَ إلى عدمِ اشتراطِ ذلكَ؛ فأجازوا (قائمٌ الزيدانِ) ، فقائمٌ مبتدأٌ والزيدانِ فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ.
وإلى هذا أشارَ المصنِّفُ بقولِهِ: (وَقَدْ يَجُوزُ نَحْوُ: فائزٌ أُولُو الرَّشَدْ) ؛ أي: وقد يَجُوزُ استعمالُ هذا الوصفِ مبتدأً من غيرِ أنْ يَسْبِقَهُ نفيٌ أو استفهامٌ.
وزَعَمَ المصنِّفُ أنَّ سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ ذلكَ على ضَعْفٍ، ومِمَّا وَرَدَ منه قولُه:
40 -فَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ ... إذَا الدَّاعِي المُثَوِّبُ قَالَ يَالاَ [2]
(1) مَذْهَبُ جماعةٍ مِن النحاةِ أنه يَجِبُ أنْ يكونَ الفاعلُ الذي يَرْفَعُه الوصفُ المعتمِدُ اسمًا ظاهرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ ضميرًا منفصِلًا، فإنْ سُمِعَ ما ظاهرُه ذلكَ فهو محمولٌ على أنَّ الوصفَ خبرٌ مقدَّمٌ والضميرَ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وعندَ هؤلاءِ أنكَ إذا قُلْتَ: (أمسافِرٌ أنتَ) صَحَّ هذا الكلامُ عربيَّةً، ولكِنْ يَجِبُ أنْ يكونَ (مُسَافِرٌ) خبرًا مقدَّمًا، و (أنتَ) مبتدأً مؤخَّرًا.
والجمهورُ على أنه يَجُوزُ أنْ يكونَ الفاعلُ المغنِي عن الخبرِ ضميرًا بارزًا، كما يكونُ اسمًا ظاهرًا، ولا مَحَلَّ لإنكارِ ذلك عليهم بعدَ وُرُودِهِ في الشعرِ العربيِّ الصحيحِ، وفي القرآنِ الكريمِ عباراتٌ لا يَجُوزُ فيها عربيَّةً أنْ تُحْمَلَ على ما ذَكَرُوا مِن التقديمِ والتأخيرِ، فمِن ذلك قولُه تعالَى: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} ؛ إذْ لو جَعَلْتَ (رَاغِبٌ) خبرًا مُقَدَّمًا و (أنتَ) مبتدأً مؤخرًا لَلَزِمَ عليه الفصلُ بينَ (رَاغِبٌ) وما يَتَعَلَّقُ به، وهو قولُه: {عَنْ آلِهَتِي} بأَجْنَبِيٍّ، وهو {أَنْتَ} ؛ لأنَّ المبتدأَ بالنسبةِ للخبرِ أَجْنَبِيٌّ منه؛ إذ لا عَمَلَ للخبرِ فيه على الصحيحِ، ولا يَلْزَمُ شيءٌ مِن ذلكَ إذا جَعَلْتَ {أَنْتَ} فاعلًا؛ لأنَّ الفاعلَ بالنظرِ إلى العاملِ فيه ليسَ أجنبيًّا مِنه، ونظيرُ الآيةِ الكريمةِ في هذا وفي عدمِ صِحَّةِ التخريجِ على التقديمِ والتأخيرِ قولُ الشاعرِ: (فخَيْرٌ نَحْنُ) في الشاهدِ رَقْمِ 40 الآتِي.
ومِن ذلكَ أيضًًا قولُ الشاعرِ:
أَمُنْجِزٌ أَنْتُمُ وَعْدًا وَثِقْتُ بِهِ ... أَمِ اقْتَفَيْتُمْ جَمِيعًا نَهْجَ عُرْقُوبِ
ومثلُه قولُ الآخرِ:
خَلِيلَيَّ ما وَافٍ بِعَهْدِيَ أَنْتُمَا ... إِذَا لَمْ تَكُونَا لِي عَلَى مَنْ أُقَاطِعُ
وقولُ الآخرِ:
فما باسِطٌ خَيْرًا ولا دافِعٌ أَذًى ... عن الناسِ إلاَّ أَنْتُمُ آلَ دَارِمِ
ولا يَجُوزُ في بيتٍ من هذه الأبياتِ الثلاثةِ أنْ تَجْعَلَ الوصفَ خَبَرًا مقدَّمًا والمرفوعَ بعدَه مبتدأً مؤخرًا، كما لا يَجُوزُ ذلك في الشاهدِ الآتِي على ما سَتَعْرِفُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ على ذلكَ أنْ يَفُوتَ التطابُقُ بينَ المبتدأِ وخبرِه، وهو شرطٌ لا بُدَّ منه؛ فإنَّ الوصفَ مفردٌ والضميرَ البارزَ للمثنَّى أو للمجموعِ، أمَّا جَعْلُ الضميرِ فاعلًا فلا مَحْظُورَ فيه؛ لأنَّ الفاعلَ يَجِبُ إفرادُ عاملِه.
(2) هذا البيتُ لزُهَيْرِ بنِ مَسْعُودٍ الضَّبِّيِّ.
اللغةُ: (الناسِ) هكذا هو بالنونِ في كافَّةِ النُّسَخِ، ويُرْوَى (البأسِ) بالباءِ والهمزةِ، وهو أَنْسَبُ بعَجُزِ البيتِ، (المُثَوِّبُ) مِن التثويبِ، وأصلُه: أنْ يَجِيءَ الرجلُ مُسْتَصْرِخًا، فيُلَوِّحَ بثوبِه لِيُرَى ويَشْتَهِرَ، ثمَّ سُمِّيَ الدعاءُ تَثْوِيبًا لذلكَ، (قالَ يالاَ) أي: قالَ: يا لَفُلانٍ، فحَذَفَ فلانًا وأَبْقَى اللامَ، وانْظُرْ ص 159 السابقةَ.
الإعرابُ: (فخَيْرٌ) مبتدأٌ، (نَحْنُ) فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ، (عِنْدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بخَيْرٌ، وعندَ مضافٌ و (الناسِ) أو (البَأْسِ) مضافٌ إليه، (مِنْكُمْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بخَيْرٌ أيضًًا، (إِذَا) ظرفٌ للمستقبَلِ من الزمانِ، (الدَّاعِي) فاعلٌ لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ المذكورُ، والتقديرُ: إذا قالَ الداعِي.
والجملةُ من الفعلِ المحذوفِ وفاعلِهِ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إِلَيْهَا، (المُثَوِّبُ) نَعْتٌ للداعِي، (قالَ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على الداعِي، والجملةُ مِن قالَ المذكورِ وفاعلِهِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ مُفَسِّرَةٌ، (يَالاَ) مَقُولُ القولِ، وهو على ما عَرَفْتَ مِن أنَّ أصلَه: يا لفلانٍ.
الشاهدُ فيه: في البيتِ شاهدانِ لهذه المسألةِ، وكلاهما في قَوْلِهِ: (فخَيْرٌ نَحْنُ) .
أمَّا الأوَّلُ: فإنَّ (نَحْنُ) فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبرِ، ولم يَتَقَدَّمْ على الوصفِ - وهو (خيرٌ) - نفيٌ ولا استفهامٌ، وزَعَمَ جماعةٌ مِن النحاةِ - منهم أبو عليٍّ وابنُ خَرُوفٍ - أنه لا شاهِدَ في هذا البيتِ؛ لأنَّ قولَه: (خَيْرٌ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه: (نحنُ خيرٌ ... إلخ) ، وقولَه: (نحنُ) المذكورُ في البيتِ تأكيدٌ للضميرِ المُسْتَتِرِ في خَيْرٌ، وانْظُرْ كيفَ يُلْجَأُ إلى تقديرِ شيءٍ وفي الكلامِ ما يُغْنِي عنه؟!
وأمَّا الشاهِدُ الثاني فإنَّ (نحنُ) الذي وَقَعَ فاعلًا أَغْنَى عن الخبرِ هو ضميرٌ مُنفصِلٌ، فهو دليلٌ للجمهورِ على صِحَّةِ ما ذَهَبُوا إليه مِن جوازِ كونِ فاعلِ الوصفِ المُغْنِي عن الخبرِ ضميرًا منفصِلًا، ولا يَجُوزُ في هذا البيتِ أنْ يكونَ قولُه: (نحنُ) مبتدأً مؤخَّرًا، ويكونَ (خَيْرٌ) خبرًا مقدَّمًا؛ إذ يَلْزَمُ على ذلكَ الفصلُ بينَ (خَيْرٌ) وما يَتَعَلَّقُ به - وهو قولُه: (عندَ الناسِ) - وقولِه: (مِنْكُمْ) - بأجنبيٍّ، على نحوِ ما قَرَّرْنَاهُ في قَوْلِهِ تعالى: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي} (في ص 193) .
فهذا يَتِمُّ به استدلالُ الكُوفِيِّينَ على جوازِ جَعْلِ الوصفِ مبتدأً، وإنْ لم يَعْتَمِدْ على نفيٍ أو استفهامٍ، ويَتِمُّ به استدلالُ الجمهورِ على جوازِ أنْ يكونَ مرفوعُ الوصفِ المغنِي عن خبرِه ضميرًا بارزًا.