الصفحة 136 من 811

فخيرٌ مبتدأٌ، ونحنُ فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ، ولم يَسْبِقْ (خيرٌ) نفيٌ ولا استفهامٌ، وجُعِلَ من هذا قولُه:

41 -خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلاَ تَكُ مُلْغِيًا ... مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ [1]

(1) هذا البيتُ يُنْسَبُ إلى رجلٍ طَائِيٍّ، ولم يُعَيِّنْهُ أحدٌ فيما بينَ أَيْدِينَا مِن المراجِعِ.

اللغةُ: (خَبِيرٌ) من الخِبْرَةِ، وهي العِلْمُ بالشيءِ، (بَنُو لِهْبٍ) جماعةٌ مِن بني نَصْرِ بنِ الأَزْدِ، يُقالُ: إنهم أَزْجَرُ قومٍ، وفيهم يقولُ كُثَيِّرُ بنُ عبدِ الرحمنِ المعروفُ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ:

تَيَمَّمْتُ لِهْبًا أَبْتَغِي العِلْمَ عِنْدَهُمْ ... وقدْ صارَ علمُ العَائِفِينَ إِلَى لِهْبِ

المعنى: إنَّ بنِي لِهْبٍ عالِمُونَ بالزَّجْرِ والعِيَافَةِ، فإذا قالَ أحدُهم كلامًا فاسْتَمِعْ إليه، ولا تُلْغِ ما يَذْكُرُهُ لكَ إذا زَجَرَ أو عَافَ حينَ تَمُرُّ الطيرُ عليه.

الإعرابُ: (خَبِيرٌ) مبتدأٌ، والذي سَوَّغَ الابتداءَ به ـ معَ كونِه نكرةً ـ أنه عاملٌ فيما بعدَه، (بَنُو) فاعلٌ بخَبِيرٌ سَدَّ مسدَّ الخبرِ، وبنو مضافٌ، و (لِهْبٍ) مضافٌ إليه، (فلا) الفاءُ عاطفةٌ، لا: ناهيةٌ، (تَكُ) فعلٌ مضارعٌ ناقصٌ مجزومٌ بلا، وعلامةُ جزمِه سكونُ النونِ المحذوفةِ للتخفيفِ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (مُلْغِيًا) خَبَرُ تَكُ، وهو اسمُ فاعلٍ فيَحْتَاجُ إلى فاعلٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه، (مَقَالَةَ) مفعولٌ به لمُلْغٍ، ومقالةَ مضافٌ و (لِهْبِيٍّ) مضافٌ إليه، (إِذَا) ظرفٌ للمستقبَلِ مِن الزمانِ، ويجوزُ أنْ يكونَ مُضَمَّنًا معنَى الشرطِ، (الطَّيْرُ) فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه المذكورُ بعدَه، والتقديرُ: إذا مَرَّتِ الطيرُ، والجملةُ مِن الفعلِ المحذوفِ وفاعلِهِ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، وهي جملةُ الشرطِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه الكلامُ، والتقديرُ: إذا مَرَّتِ الطيرُ فلا تَكُ مُلْغِيًا ... إلخ، (مَرَّتِ) مَرَّ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هي يعودُ على (الطَّيْرُ) ، والجملةُ من مَرَّتِ المذكورِ وفاعلِهِ لا محَلَّ لها من الإعرابِ؛ مُفَسِّرَةٌ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ) حيثُ اسْتَغْنَى بفاعلِ خَبِيرٌ عن الخَبَرِ، معَ أنه لم يَتَقَدَّمْ على الوصفِ نفيٌ ولا استفهامٌ، هذا توجيهُ الكُوفِيِّينَ والأَخْفَشِ للبيتِ؛ ومِن ثَمَّ لم يَشْتَرِطُوا تَقَدُّمَ النفيِ أو نحوِه على الوصفِ؛ استنادًا إلى هذا البيتِ ونحوِه.

ويَرَى البَصْرِيُّونَ ـ ما عدا الأَخْفَشَ ـ أنَّ قولَه: (خَبِيرٌ) خبرٌ مقدَّمٌ، وقولَه: (بنو) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وهذا هو الإعرابُ الراجِحُ الذي نَصَرَهُ العلماءُ كافَّةً، فإذا زَعَمَ أحدٌ أنه يَلْزَمُ على هذا محظورٌ ـ وإيضاحُه أن شرطَ المبتدأِ والخبرِ أنْ يكونَا متطابقيْنِ: إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، وهنا لا تَطَابُقَ بينَهما؛ لأنَّ (خَبِيرٌ) مفردٌ، و (بنو لِهْبٍ) جمعٌ، فلَزِمَ على توجيهِ البصريينَ الإخبارُ عن الجمعِ بالمفردِ ـ فالجوابُ على هذا أيسرُ مما تَظُنُّ؛ فإنَّ (خَبِيرٌ) في هذا البيتِ يَسْتَوِي فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ والمفردُ والمثنَّى والجمعُ؛ بسببِ كونِهِ على زِنَةِ المصدرِ، مثلُ: الذَّمِيلِ والصَّهِيلِ، والمصدرُ يُخْبَرُ به عن الواحدِ والمثنَّى والجمعِ بلفظٍ واحدٍ، تقولُ: مُحَمَّدٌ عَدْلٌ، والمُحَمَّدانِ عَدْلٌ، والمُحَمَّدونَ عَدْلٌ، ومِن عادةِ العربِ أنْ يُعْطُوا الشيءَ الذي يُشْبِهُ شيئًا بعضَ أحكامِ ذلك الشيءِ؛ تحقيقًا لمُقْتَضَى المشابَهَةِ، وقد وَرَدَتْ صِيغَةُ فَعِيلٍ مُخْبَرًا بها عن الجماعةِ، والدليلُ على أنه كما ذَكَرْنَاهُ وُرُودُهُ خَبَرًا ظاهرًا عن الجمعِ في نحوِ قولِه تعالى: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} . وقولِ الشاعرِ:

* هُنَّ صَدِيقٌ لِلَّذِي لَمْ يَشِبِ *

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت