الصفحة 137 من 811

فخبيرٌ مبتدأٌ، وبنو لِهْبٍ فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ.

والثانِ مُبْتَدًا وذَا الوَصْفُ خَبَرْ إنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقًا اسْتَقَرْ [1]

الوصفُ معَ الفاعلِ: إما أنْ يَتَطَابَقَا إفرادًا أو تَثْنِيَةً أو جمعًا، أو لا يَتَطَابَقَا، وهو قِسمانِ: ممنوعٌ، وجائزٌ.

فإنْ تَطَابقا إفرادًا، نحوُ: (أقائمٌ زيدٌ) جازَ فيه وجهانِ [2] : أحدُهما: أنْ يكونَ الوصفُ مبتدأً وما بعدَه فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ، والثاني: أنْ يكونَ ما بعدَه مبتدأً مؤخَّرًا ويكونَ الوصفُ خبرًا مُقَدَّمًا.

(1) (والثانِ) مُبْتَدَأٌ، (مُبْتَدًا) خبرٌ، (وَذَا) الواوُ عاطفةٌ، ذا: اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ، و (الوصفُ) بَدَلٌ أو عطفُ بيانٍ من اسمِ الإشارةِ، (خَبَرْ) خبرُ المبتدأِ الذي هو اسمُ الإشارةِ، (إنْ) شرطيَّةٌ، (فِي سِوَى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باسْتَقَرَّ الآتِي، وسِوَى مضافٌ، و (الإفرادِ) مضافٌ إليه، (طِبْقًا) حالٌ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في (اسْتَقَر) الآتِي، وقِيلَ: هو تمييزٌ مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ، (اسْتَقَرْ) فعلٌ ماضٍ فعلُ الشرطِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، وتقديرُ الكلامِ: (إنْ في سِوَى الإفرادِ طِبقًا اسْتَقَرَّ فالثانِ مبتدأٌ ... إلخ) .

(2) ههنا ثلاثةُ أمورٍ نُحِبُّ أنْ نُنَبِّهَكَ إليها:

الأَوَّلُ: أنه لا يَنْحَصِرُ جوازُ الوجهيْنِ في أنْ يَتَطَابَقَ الوصفُ والمرفوعُ إفرادًا، بل مثلُه ما إذا كانَ الوصفُ مما يَسْتَوِي فيه المفردُ والمثنَّى والجمعُ، وكانَ المرفوعُ بعدَه واحدًا منها، نحوُ: أَقَتِيلٌ زيدٌ؟ ونحوُ: أَجَريحٌ الزيدانِ؟ ونحوُ: أصديقٌ المُحَمَّدُونَ؟

وقدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ العلماءِ فيما إذا كانَ الوصفُ جمعَ تكسيرٍ والمرفوعُ بعدَه مثنًّى أو مجموعًا؛ فذَكَرَ قومٌ أنه يَجُوزُ فيه الوجهانِ أيضًًا، وذلكَ نحوُ: أقِيَامٌ أخواكَ؟ ونحوُ: أقيامٌ إِخْوَتُكَ؟، وعلى هذا تكونُ الصُّوَرُ التي يَجُوزُ فيها الأمرانِ سِتَّ صُوَرٍ: أنْ يَتَطَابَقَ الوصفُ والمرفوعُ إفرادًا، وأنْ يكونَ الوصفُ مِمَّا يَسْتَوِي فيه المفردُ وغيرُه والمرفوعُ مُفْرَدًا، أو مثنًّى، أو مجموعًا، وأنْ يكونَ الوصفُ جمعَ تكسيرٍ والمرفوعُ مُثَنًّى أو جمعًا.

وذَهَبَ قومٌ - منهم الشاطِبِيُّ - إلى أنه يَجِبُ في الصورتيْنِ الأخيرتيْنِ كونُ الوصفِ خبرًا مقدَّمًا، فتَبْقَى الصُّوَرُ الأربعةُ جائزةَ الوجهيْنِ.

والأمرُ الثاني: أنه معَ جوازِ الوجهيْنِ فيما ذَكَرْنَا مِن هذه الصورِ فإنَّ جَعْلَ الوصفِ مبتدأً والمرفوعِ بعدَه فاعلًا أَغْنَى عن الخبَرِ أَرْجَحُ من جَعْلِ الوصفِ خَبَرًا مقدَّمًا؛ وذلك لأنَّ جَعْلَه خبرًا مُقَدَّمًا فيه الحَمْلُ على شيءٍ مُخْتَلَفٍ فيه؛ إذ الكُوفِيُّونَ لا يُجَوِّزُونَ تقديمَ الخبرِ على المبتدأِ أصلًا، ومعَ هذا فالتقديمُ والتأخيرُ خلافُ الأصلِ عندَ البَصريِّينَ.

والأمرُ الثالِثُ: أنَّ مَحَلَّ جوازِ الوجهيْنِ فيما إذا لم يَمْنَعْ مِن أحدِهما مانعٌ، فإذا مَنَعَ مِن أحدِهما مانعٌ تَعَيَّنَ الآخَرُ، ففي قَوْلِهِ تعالى: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي} ، وفي قولِكَ: (أحاضرٌ اليومَ أُخْتُكَ) : يَمْتَنِعُ جَعْلُ الوصفِ خَبَرًا مُقَدَّمًا، أمَّا في الآيةِ فقدْ ذَكَرَ الشارِحُ وجهَ ذلكَ فيها، وقد بَيَّنَّاهُ فِيما مَضَى، وإنْ يَكُنِ الشارِحُ قد ذَكَرَه بعبارةٍ يَدُلُّ ظَاهِرُها على أنه مُرَجَّحٌ لا مُوجَبٌ، وأمَّا المثالُ فلأنَّه يَلْزَمُ على جَعْلِ الوصفِ خبرًا مقدمًا الإخبارُ بالمذكَّرِ عن المؤنَّثِ، وهو لا يَجُوزُ أصلًا، والفصلُ بينَ الفاعلِ والعاملِ فيه يُجَوِّزُ تَرْكَ علامةِ التأنيثِ مِن العاملِ إذا كانَ الفاعلُ مؤنَّثًا، وفي قولِكَ: (أَفِي دَارِهِ أَبُوكَ) يَمْتَنِعُ جَعْلُ (أبوكَ) فاعلًا؛ لأنَّه يَلْزَمُ عليه عودُ الضميرِ مِن (في دَارِهِ) على المتأخِّرِ لفظًا ورُتْبَةً، وهو مُمْتَنِعٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت