الصفحة 139 من 811

وإنْ لم يَتَطَابَقَا، وهو قسمانِ: ممتنعٌ وجائزٌ، كما تَقَدَّمَ، فمثالُ الممتنعِ: (أقائمانِ زيدٌ، وأقائمونَ زيدٌ) ، فهذا التركيبُ غيرُ صحيحٍ، ومثالُ الجائزِ: (أقائمٌ الزيدانِ، وأقائمٌ الزيدونَ) ، وحيَنئذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ يكونَ الوصفُ مبتدأً وما بعدَه فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ [1] .

(1) أُحِبُّ أَنْ أُجَلِّيَ لكَ حقيقةَ هذه المسألةِ، وأُبَيِّنَ لكَ عِلَلَهَا وأسبابَهَا بَيَانًا لا يَبْقَى معَه لَبْسٌ عليكَ في صورةٍ مِن صُوَرِهَا، وذلكَ البيانُ يَحْتَاجُ إلى التقدُّمِ قَبْلَه بشرحِ أَمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: لِمَ جازَ في الوصفِ الذي يَقَعُ بعدَه مرفوعٌ أنْ يكونَ الوصفُ مبتدأً والمرفوعُ بعدَه فاعلًا، وأنْ يكونَ الوصفُ خبرًا مُقَدَّمًا والمرفوعُ مبتدأً مؤخَّرًا؟

والثاني: على أيِّ شيءٍ يَسْتَنِدُ تَعَيُّنُ أحدِ هذيْن الوجهيْنِ وامتناعُ الآخَرِ مِنهما؟

أمَّا عن الأمرِ الأوَّلِ فنقولُ لكَ: إنَّ اسمَ الفاعلِ واسمَ المفعولِ ونَحْوَهُما من الأوصافِ قدْ أَشْبَهَتِ الفعلَ نوعَ شَبَهٍ مِن حيثُ المعنى؛ لِدَلاَلَتِها على الحَدَثِ الذي يَدُلُّ عليه الفعلُ، وهي في طَبِيعَتِها أسماءٌ تَقْبَلُ علاماتِ الاسمِ، فتَرَدَّدَ أَمْرُها بينَ أنْ تُعَامَلَ معاملةَ الأسماءِ بالنظرِ إلى لَفْظِها، وبينَ أنْ تُعَامَلَ معاملةَ الأفعالِ فتُسْنَدَ إلى ما بَعْدَها بالنظرِ إلى دَلالتِها على معنَى الفعلِ.

ثمَّ تَرَجَّحَ ثاني هذين الوجهيْنِ بسببِ دخولِ حرفِ النفيِ أو حرفِ الاستفهامِ عليها؛ وذلك لأنَّ الأصلَ في النفيِ وفي الاستفهامِ أنْ يكونا مُتَوَجِّهَيْنِ إلى أوصافِ الذواتِ، لا إلى الذواتِ أَنْفُسِها؛ لأنَّ الذواتِ يَقِلُّ أنْ تكونَ مجهولةً، والموضوعُ للدَّلالةِ على أوصافِ الذواتِ وأحوالِها هو الفعلُ، لا جَرَمَ كانَ الأصلُ في النفيِ والاستفهامِ أنْ يكونا عن الفعلِ وما هو في معناه، ومِن هنا نَفْهَمُ السرَّ في اشتراطِ البَصْرِيِّينَ في جَعْلِ الوصفِ مبتدأً والمرفوعِ بعدَه فاعلًا أَغْنَى عن الخبرِ ـ تَقَدُّمَ النفيِ والاستفهامِ عليه.

وأمَّا عن الأمرِ الثاني: فإنا نُقَرِّرُ لكَ أنَّ النحاةَ بَنَوْا تَجْوِيزَ الوجهيْنِ وتَعَيُّنَ أحدِهما وامتناعَه جَمِيعًا على أُصُولٍ مُقَرَّرَةٍ ثابتةٍ، فبعضُها يَرْجِعُ إلى حُكْمِ الفاعلِ ورافعِه، وبعضُها يَرْجِعُ إلى حُكْمِ المبتدأِ وخبرِه، وبعضُها إلى حُكْمٍ عامٍّ للعاملِ والمعمولِ، فالفاعلُ يَجِبُ أنْ يكونَ عامِلُه مُجَرَّدًا من علامةِ التثنيةِ والجمعِ على أفصحِ اللغتيْنِ، فمَتَى كانَ الوصفُ مُثَنًّى أو مجموعًا لم يَجُزْ أنْ يكونَ المرفوعُ بعدَه فاعلًا في الفُصْحَى.

والمبتدأُ معَ خبرِه تَجِبُ مُطَابَقَتُهما في الإفرادِ والتثنيةِ والجمعِ، فمَتَى كانَ الوصفُ مُفْرَدًا والمرفوعُ بعدَه مُثَنًّى أو مجموعًا لم يَجُزْ أنْ تَجْعَلَ الوصفَ خَبَرًا والمرفوعَ بعدَه مبتدأً.

وإذا كانَ الوصفُ مُفْرَدًا، والمرفوعُ بعدَه مفردًا مثلَه فقدِ اجْتَمَعَ شرطُ الفاعلِ معَ رافعِهِ وشَرْطُ المبتدأِ معَ خبرِه، فيجوزُ الوجهانِ.

ثم إنْ كانَ الوصفُ مُفْرَدًا مذكَّرًا والمرفوعُ مُفردًا مؤنَّثًا، فإذا لم يَكُنْ بينَهما فاصلٌ امْتَنَعَ الكلامُ؛ لأنَّ مطابقةَ المبتدأِ وخبرِه والفاعلِ ورافعِه في التأنيثِ واجبةٌ حينَئذٍ، وإنْ كانَ بينَهما فاصلٌ صَحَّ جَعْلُ المرفوعِ فاعلًا، ولم يَصِحَّ جعلُه مبتدأً؛ فإنَّ وُجُوبَ المطابقةِ بينَ المبتدأِ والخبرِ لا تَزُولُ بالفصلِ بينَهما، وصَحَّ جَعْلُ المرفوعِ فاعلًا؛ لأنَّ الفصلَ يُبِيحُ فواتَ المطابقةِ في التأنيثِ بينَ الفاعلِ المؤنَّثِ الحقيقيِّ التأنيثِ ورافعِه.

وإنْ كانَ الوصفُ والمرفوعُ مفرديْنِ مذكَّرَيْنِ، وقد وَقَعَ بعدَهما معمولٌ للوصفِ جازَ أنْ يكونَ المرفوعُ فاعلًا، ولم يَجُزْ أنْ يكونَ مبتدأً؛ إذْ يَتَرَتَّبُ على جعلِه مبتدأً أنْ يُفْصَلَ بينَ العاملِ والمعمولِ بأجنبيٍّ.

وإذا كانَ الوصفُ مُثَنًّى أو مجموعًا والمرفوعُ مفردًا لم يَصِحَّ الكلامُ بَتَّةً، لا على اللغةِ الفصحَى، ولا على غيرِ اللغةِ الفصحَى من لغاتِ العربِ؛ لأنَّ شرطَ المبتدأِ والخبرِ ـ وهو التطابُقُ ـ غيرُ موجودٍ، وشرطَ الفاعلِ وعاملِه ـ وهو تَجَرُّدُ العاملِ مِن علامةِ التثنيةِ والجمعِ - غيرُ موجودٍ، وغيرُ الفُصْحَى لا تُلْحِقُ علامةَ التثنيةِ أو الجمعِ معَ الفاعلِ المفردِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت