الصفحة 143 من 811

تَقَدَّمَ الكلامُ في الخبرِ إذَا كانَ جملةً، وأمَّا المفردُ فإمَّا أنْ يكونَ جامدًا أو مُشْتَقًّا، فإنْ كانَ جامدًا فذَكَرَ المصنِّفُ أنه يكونُ فارغًا من الضميرِ، نحوُ: (زيدٌ أخوكَ) .

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والرُّمَّانِيُّ وجماعةٌ إلى أنه يَتَحَمَّلُ الضميرَ، والتقديرُ عندَهم: (زيدٌ أخوك هو) ، وأمَّا البَصريُّونَ فقالوا: إما أنْ يكونَ الجامدُ متضمِّنًا معنَى المشتَقِّ أو لا: فإنْ تَضَمَّنَ معناه نحوُ: (زيدٌ أسدٌ) ؛ أي: شجاعٌ تَحَمَّلَ الضميرَ، وإنْ لم يَتَضَمَّنْ معناه لم يَتَحَمَّلِ الضميرَ، كما مُثِّلَ.

وإنْ كانَ مشتقًّا فذَكَرَ المصنِّفُ أنه يَتَحَمَّلُ الضميرَ، نحوُ: (زيدٌ قائمٌ) ؛ أي: هو هذا، إذا لم يَرْفَعْ ظاهرًا، وهذا الحكمُ إنما هو للمشتَقِّ الجاري مجرَى الفعلِ، كاسمِ الفاعلِ، واسمِ المفعولِ، والصفةِ المشبَّهَةِ، واسمِ التفضيلِ.

فأمَّا ما ليسَ جاريًا مَجْرَى الفعلِ من المشتقَّاتِ فلا يَتَحَمَّلُ ضميرًا، وذلك كأسماءِ الآلةِ، نحوُ: (مِفتاحٍ) ، فإنَّه مشتَقٌّ من (الفتحِ) ، ولا يَتَحَمَّلُ ضميرًا، فإذا قُلْتَ: (هذا مِفتاحٌ) لم يَكُنْ فيه ضميرٌ، وكذلك ما كانَ على صيغةِ مَفْعَلٍ وقُصِدَ به الزمانُ أو المكانُ كـ (مَرْمًى) ، فإنَّه مشتَقٌّ من (الرَّمْيِ) ، ولا يَتَحَمَّلُ ضميرًا، فإذا قلتَ: (هذا مَرْمَى زيدٍ) تُرِيدُ مكانَ رَمْيِهِ أو زمانَ رَمْيِهِ كانَ الخبرُ مشتقًّا ولا ضميرَ فيه.

وإنما يَتَحَمَّلُ المشتقُّ الجارِي مجرَى الفعلِ الضميرَ إذا لم يَرْفَعْ ظاهرًا، فإنْ رفَعَه لم يَتَحَمَّلْ ضميرًا، وذلكَ نحوُ: (زيدٌ قائمٌ غلاماهُ) ، فغلاماه مرفوعٌ بقائمٌ، فلا يَتَحَمَّلُ ضميرًا.

وحاصلُ ما ذَكَرَ أنَّ الجامدَ يَتَحَمَّلُ الضميرَ مطلقًا عندَ الكُوفِيِّينَ، ولا يَتَحَمَّلُ ضميرًا عندَ البصريِّينَ، إلاَّ إنْ أُوِّلَ بمُشْتَقٍّ، وأنَّ المشتَقَّ إنما يَتَحَمَّلُ الضميرَ إذا لم يَرْفَعْ ظاهرًا، وكانَ جاريًا مَجْرَى الفعلِ، نحوُ: (زيدٌ منطلِقٌ) ؛ أي: هو، فإنْ لم يَكُنْ جاريًا مَجْرَى الفعلِ لم يَتَحَمَّلْ شيئًا، نحوُ: (هذا مِفتاحٌ) ، و (هذا مَرْمَى زيدٍ) .

وَأَبْرِزَنْهُ مُطْلَقًا حَيْثُ تَلاَ ... مَا لَيْسَ مَعْنَاهُ لَهُ مُحَصَّلاَ [1]

(1) (وَأَبْرِزَنْهُ) الواوُ للاستئنافِ، أَبْرِزَ: فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على الفتحِ لاتصالِه بنونِ التوكيدِ الخفيفةِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، ونونُ التوكيدِ حرفٌ مبنيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ، والضميرُ المتَّصِلُ البارزُ مفعولٌ به لأَبْرِز، (مُطْلَقًا) حالٌ مِن الضميرِ البارِزِ، ومعناه: سواءٌ أَمِنْتَ اللَّبْسَ أمْ لم تَأْمَنْه، (حيثُ) ظرفُ مكانٍ مُتَعَلِّقٌ بأَبْرِز، (تَلاَ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى الخبرِ المشتَقِّ، والجملةُ مِن تلا وفاعلِهِ في محَلِّ جرٍّ بإضافةِ حيثُ إليها، (ما) اسمٌ موصولٌ مفعولٌ به لِتَلاَ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، (لَيْسَ) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (معناهُ) معنى: اسمُ ليسَ، ومعنى مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (لَهُ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (مُحَصَّلاَ) الآتِي، (مُحَصَّلاَ) خبرُ ليسَ، والجملةُ من ليسَ ومَعْمُولَيْهَا لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ الذي هو (ما) ، وتقديرُ البيتِ: وأَبْرِزْ ضميرَ الخبرِ المشتقِّ مُطلقًا إنْ تَلا الخبرُ مبتدأً ليسَ معنَى ذلكَ الخبرِ مُحَصَّلًا لذلكَ المبتدأِ، وقد عَبَّرَ الناظِمُ في (الكافيةِ) عن هذا المعنى بعبارةٍ سالمةٍ مِن هذا الاضْطِرَابِ والقلقِ، وذلك قولُه:

وإنْ تَلاَ غَيْرَ الَّذِي تَعَلَّقَا ... بِهِ فَأَبْرِزِ الضَّمِيرَ مُطْلَقَا

في المَذْهَبِ الكُوفِيِّ شَرْطُ ذَاكَ أَنْ ... لا يُؤْمَنَ اللَّبْسُ ورَأْيُهُمْ حَسَنْ

وقد أشارَ الشارِحُ إلى اختيارِ الناظمِ في غيرِ الأَلْفِيَّةِ مِن كُتُبِه لمذهَبِ الكُوفِيِّينَ في هذه المسألةِ، وأنتَ تَرَاهُ يقولُ في آخِرِ هذيْنِ البيتيْنِ عن مذهَبِ الكُوفِيِّينَ: (ورَأْيُهُمْ حَسَنْ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت