فهرس الكتاب
مِنهم المصنِّفُ، إلى جوازِ ذلكَ من غيرِ شُذوذٍ، لكنْ بشرطِ أنْ يُفِيدَ [1] ؛ كقولِكَ (نحنُ في يومٍ طيِّبٍ وفي شهرِ كذا) ، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (وإنْ يُفِدْ فأَخْبِرَا) ، فإنْ لم يُفِدِ امْتَنَعَ، نحوُ: (زيدٌ يومَ الجُمُعَةِ) .
ولا يَجُوزُ الابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ... ما لم تُفِدْ كعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ [2]
(1) هُنَا أمرانِ يَحْسُنُ بنا أنْ نُبَيِّنَهُمَا لكَ بَيانًا واضحًا:
الأوَّلُ: أنَّ الاسمَ الذي يَقَعُ مُبتدأً، إمَّا أنْ يكونَ اسمَ معنًى؛ كالقتلِ والأكلِ والنومِ، وإما أنْ يكونَ اسمَ جُثَّةٍ، والمرادُ بها الجِسْمُ على أيِّ وضعٍ كانَ؛ كزيدٍ والشمسِ والهلالِ والوردِ، والظرفُ الذي يَصِحُّ أنْ يَقَعَ خبرًا، إما أنْ يكونَ اسمَ زمانٍ كيومٍ وزمانٍ وشهرٍ ودهرٍ، وإما أنْ يكونَ اسمَ مكانٍ، نحوُ: عندَ ولَدَى وأمامَ وخَلْفَ.
والغالِبُ أنَّ الإخبارَ باسمِ المكانِ يُفِيدُ سواءً أكانَ المخبَرُ عنه اسمَ جُثَّةٍ أمْ كانَ المخبَرُ عنه اسمَ معنًى.
والغالِبُ أنَّ الإخبارَ باسمِ الزمانِ يُفِيدُ إذا كانَ المخبَرُ عنه اسمَ معنًى، فلَمَّا كانَ الغالِبُ في هذه الأحوالِ الثلاثةِ حُصُولَ الفائدةِ - أجازَ الجمهورُ الإخبارَ بظرفِ المكانِ مُطلقًا، وبظرفِ الزمانِ عن اسمِ المعنى بدونِ شرطٍ؛ إعطاءً للجميعِ حُكْمَ الأغلبِ الأكثرِ، ومن أجلِ أنَّ الإخبارَ بالظرفِ المكانيِّ مُطلقًا وبالزمانِ عن اسمِ المعنى مُفيدٌ غالبًا لا دائمًا.
ومعنى هذا أنَّ حصولَ الفائدةِ ليسَ بواجبٍ في الإخبارِ حينَئذٍ؛ من أجلِ ذلك اسْتَظْهَرَ جماعةٌ مِن المُحَقِّقِينَ أنه لا يجوزُ الإخبارُ إلا إذا حَصَلَتِ الفائدةُ به فِعلًا، فلو لم تَحْصُلِ الفائدةُ من الإخبارِ باسمِ الزمانِ عن المعنَى، نحوُ: (القتالُ زَمَانًا) ، أو لم تَحْصُلْ مِن الإخبارِ باسمِ المكانِ، نحوُ: (زيدٌ مَكانًا) ، ونحوُ: (القتالُ مكانًا) - لم يَجُزِ الإخبارُ، وإذنْ فالمدارُ عندَ هذا الفريقِ من العلماءِ على حُصُولِ الفائدةِ في الجميعِ، والغالبُ أنَّ الإخبارَ باسمِ الزمانِ عن الجُثَّةِ لا يُفيدُ، وهذا هو السرُّ في تخصيصِ الجمهورِ هذه الحالةَ بالنصِّ عليها.
الأمرُ الثاني: أنَّ الفائدةَ من الإخبارِ باسمِ الزمانِ عن اسمِ الجُثَّةِ تَحْصُلُ بأحدِ أمورٍ ثلاثةٍ:
أَوَّلُها: أنْ يَتَخَصَّصَ اسمُ الزمانِ بوصفٍ أو بإضافةٍ، ويكونَ معَ ذلكَ مجرورًا بفي، نحوُ قولِكَ: (نحنُ في يومٍ قائظٍ، ونحنُ في زمنٍ كلُّه خَيْرٌ وبَرَكَةٌ) ، ولا يجوزُ في هذا إلاَّ الجرُّ بفي، فلا يَجُوزُ أنْ تَنْصِبَ الظرفَ، ولو أنَّ نَصْبَه على تقديرِ في.
وثانيها: أنْ يكونَ الكلامُ على تقديرِ مضافٍ هو اسمُ معنًى، نحوُ قولِهِم: الليلةَ الهلالُ، فإنَّ تقديرَه: الليلةُ طُلُوعُ الهلالِ، ونحوُ قولِ امرئِ القيسِ بنِ حُجْرٍ الكِنْدِيِّ بعدَ مَقْتَلِ أبيه: اليومَ خَمْرٌ وغَدًا أمرٌ. فإنَّ التقديرَ عندَ النحاةِ في هذا المَثَلِ: اليومَ شُرْبُ الخمرِ.
وثالثُها: أنْ يكونَ اسمُ الجُثَّةِ ممَّا يُشْبِهُ اسمَ المَعْنَى في حُصُولِه وقتًا بعدَ وقتٍ، نحوُ قَوْلِهِم: الرُّطَبُ شَهْرَي رَبِيعٍ، والوردُ أَيَارُ، ونحوُ قَوْلِنا: القُطْنُ سِبْتَمْبِرَ، ويجوزُ في هذا النوعِ أنْ تَجُرَّه بفي، فتقولَ: الرُّطَبُ في شَهْرَي رَبِيعٍ، والوردُ في أَيَارَ - وهو شَهْرٌ من الشهورِ الروميَّةِ يكونُ زَمَنَ الرَّبِيعِ.
(2) (لا) نافيةٌ، (يَجُوزُ) فعلٌ مضارعٌ، (الابْتِدَا) فاعلُ يَجُوزُ، (بالنَّكِرَة) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بالابْتِدَا، (ما) مصدريةٌ ظرفيَّةٌ، (لَمْ) حرفُ نفيٍ وجَزْمٍ وقَلْبٍ، (تُفِدْ) فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلم، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هي يعودُ على النكرةِ، (كعِنْدَ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ، وعندَ ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفِ خبرٍ مقدَّمٍ، وعندَ مضافٌ و (زَيْدٍ) مضافٌ إليه، (نَمِرَة) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبِ مقولِ القولِ المحذوفِ، وتقديرُ الكلامِ: وذلك كائنٌ كقولِكَ: عندَ زَيْدٍ نَمِرَة.