الصفحة 150 من 811

الأصلُ في المبتدأِ أنْ يكونَ معرفةً [1] ، وقدْ يكونُ نَكِرَةً، لكِنْ بشرطِ أنْ تُفِيدَ، وتحصلُ الفائدةُ بأحدِ أمورٍ ذَكَرَ المصنِّفُ مِنها سِتَّةً:

أحدُها: أنْ يَتَقَدَّمَ الخبرُ عليها، وهو ظرفٌ أو جارٌّ ومجرورٌ [2] ، نحوُ: (في الدارِ رجلٌ) ، و (عندَ زيدٍ نَمِرَةٌ) [3] ، فإنْ تَقَدَّمَ وهو غيرُ ظرفٍ ولا جارٍّ ومجرورٍ لم يَجُزْ، نحوُ: (قائمٌ رجلٌ) .

الثاني: أنْ يَتَقَدَّمَ على النكرةِ استفهامٌ [4] ، نحوُ: (هلْ فَتًى فيكُمْ) .

الثالثُ: أنْ يَتَقَدَّمَ عليها نَفْيٌ [5] ، نحوُ: (ما خِلٌّ لنا) .

(1) المبتدأُ محكومٌ عليه، والخبرُ حُكْمٌ، والأصلُ في المبتدأِ أنْ يَتَقَدَّمَ على الخبرِ، والحكمُ على المجهولِ لا يُفِيدُ؛ لأنَّ ذِكْرَ المجهولِ أَوَّلَ الأمرِ يُورِثُ السامِعَ حَيْرَةً، فتَبْعَثُه على عَدَمِ الإصغاءِ إلى حُكْمِه؛ ومن أجلِ هذا وَجَبَ أنْ يكونَ المبتدأُ معرفةً حتى يكونَ مُعَيَّنًا، أو نكرةً مخصوصةً، ولم يَجِبْ في الفاعلِ أنْ يكونَ معرفةً ولا نَكِرَةً مخصصةً؛ لأنَّ حُكْمَه ـ وهو المعبَّرُ عنه بالفعلِ ـ متقدِّمٌ عليه أَلْبَتَّةَ، فيَتَقَرَّرُ الحكمُ أَوَّلًا في ذِهْنِ السامِعِ، ثمَّ يُطْلَبُ له مَحْكُومًا عليه أيًّا كانَ، ومِن هنا تَعْرِفُ الفرقَ بينَ المبتدأِ والفاعلِ، معَ أنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما محكومٌ عليه، وكلَّ واحدٍ مِنهما معَه حُكْمُه، ومن هنا تعرِفُ أيضًًا السرَّ في جوازِ أنْ يكونَ المبتدأُ نَكِرَةً إذا تَقَدَّمَ الخبرُ عليه.

(2) مثلُ الظرفِ والجارِّ والمجرورِ الجملةُ، نحوُ قولِهم: قَصَدَكَ غُلاَمُه رجلٌ، فرجلٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وجملةُ (قَصَدَكَ غُلامُه) من الفعلِ وفاعلِه في محَلِّ رفعِ خبرٍ مقدَّمٍ، والمُسَوِّغُ للابتداءِ بالنكِرَةِ هو تقديمُ خَبَرِها وهو جملةٌ.

واعْلَمْ أنه لا بُدَّ معَ تقديمِ الخبرِ وكونِه أحدَ الثلاثةِ: الجملةَ، والظرفَ، والجارَّ والمجرورَ ـ من أنْ يكونَ مُخْتَصًّا، وذلكَ بأنْ يكونَ المجرورُ، أو ما أُضِيفَ الظرفُ إليه والمسندُ إليه في الجملةِ مما يَجُوزُ الإخبارُ عنه، فلو قلتَ: في دارِ رجلٍ رجلٌ، أو قلتَ: عندَ رجلٍ رجلٌ، أو قلتَ: ولِدَ له ولدٌ رجلٌ ـ لم يَصِحَّ.

(3) النَّمِرَةُ ـ بفتحِ النونِ وكسرِ الميمِ ـ كِسَاءٌ مُخَطَّطٌ تَلْبَسُهُ الأعرابُ، وجَمْعُهُ نِمَارٌ.

(4) اشْتَرَطَ جماعةٌ مِن النَّحْوِيِّينَ ـ منهم ابنُ الحاجِبِ ـ لجوازِ الابتداءِ بالنكرةِ بعدَ الاستفهامِ شرطيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يكونَ حرفُ الاستفهامِ الهمزةَ، والثاني أنْ يكونَ بعدَه (أم) ، نحوُ أنْ تقولَ: أرجلٌ عندَكَ أم امرأةٌ؟ وهذا الاشتراطُ غيرُ صحيحٍ؛ فلهذا بادَرَ الناظِمُ والشارِحُ بإظهارِ خلافِه بالمثالِ الذي ذَكَرَاهُ، فإنْ قلتَ: فلماذا كانَ تقدُّمُ الاستفهامِ على النكرةِ مُسَوِّغًا للابتداءِ بها؟ فالجوابُ: أنْ نُذَكِّرَكَ بأنَّ الاستفهامَ إما إنكارِيٌّ وإما حقيقيٌّ، أما الاستفهامُ الإنكاريُّ فهو بمعنَى حرفِ النفيِ، وتَقَدُّمُ حرفُ النفيِ على النكرةِ يَجْعَلُها عامَّةً، وعمومُ النكرةِ عندَ التحقيقِ هو المسوِّغُ للابتداءِ بها؛ إذ الممنوعُ إنما هو الحكمُ على فردٍ مُبْهَمٍ غيرِ معيَّنٍ، فأمَّا الحكمُ على جميعِ الأفرادِ فلا مانعَ منه، وأما الاستفهامُ الحقيقيُّ فوَجْهُ تسويغِه الحقيقيُّ أن المقصودَ به السؤالُ عن فردٍ غيرِ معيَّنٍ يُطْلَبُ بالسؤالِ تَعْيِينُه، وهذا الفردُ غيرُ المُعَيَّنِ شائعٌ في جميعِ الأفرادِ، فكأنَّ السؤالَ في الحقيقةِ عن الأفرادِ كُلِّهِم، فأَشْبَهَ العمومَ، فالمسوِّغُ إما العمومُ الحقيقيُّ، وإما العمومُ الشَّبيهُ به.

(5) قد عَرَفْتَ ممَّا ذكَرْناه في وجهِ تَسويغِ الاستفهامِ الابتداءَ بالنكرةِ أنَّ الأصلَ فيه هو النفيُ؛ لأنَّ النفيَ هو الذي يَجْعَلُ النكرةَ عامَّةً متناوِلَةً جميعَ الأفرادِ، وحَمْلُ الاستفهامِ الحقيقيِّ عليه لأنَّه شَبيهٌ بما هو بمعنَى النفيِ، فالوجهُ في النفيِ هو صيرورةُ النكرةِ عامَّةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت