فهرس الكتاب
والثاني: أنْ يكونَ الخبرُ فعلًا رافعًا لضميرِ المبتدأِ مستترًا، نحوُ: (زيدٌ قامَ) ، فقامَ وفاعلُه المقدَّرُ [1] خبرٌ عن زيدٍ، ولا يَجُوزُ التقديمُ، فلا يقالُ: (قامَ زيدٌ) على أنْ يكونَ زيدٌ مبتدأً مؤخرًا والفعلُ خبرًا مقدمًا، بل يكونُ (زيدٌ) فاعلًا لقامَ، فلا يكونُ من بابِ المبتدأِ والخبرِ، بل من بابِ الفعلِ والفاعلِ، فلو كانَ الفعلُ رافعًا لظاهِرٍ، نحوُ: (زيدٌ قامَ أبوه) جازَ التقديمُ، فتقولُ: (قامَ أبوه زيدٌ) ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخلافِ في ذلكَ [2] .
وكذلك يَجُوزُ التقديمُ إذا رَفَعَ الفعلُ ضميرًا بارزًا، نحوُ: الزيدانِ قاما، فيَجُوزُ أنْ تُقَدِّمَ الخبرَ فتقولُ: (قامَا الزيدانِ) ، ويكونُ (الزيدانِ) مبتدأً مؤخَّرًا، و (قاما) خبرًا مقدَّمًا، ومَنَعَ ذلكَ قومٌ.
وإذا عَرَفْتَ هذا فقولُ المصنِّفِ: (كذا إذا ما الفعلُ كانَ الخَبَرَ) يَقْتَضِي وجوبَ تأخيرِ الخبرِ الفعليِّ مطلقًا، وليسَ كذلكَ، بل إنما يَجِبُ تأخيرُه إذا رَفَعَ ضميرًا للمبتدأِ مستترًا، كما تَقَدَّمَ.
الثالثُ: أنْ يكونَ الخبرُ محصورًا بإنما، نحوُ: (إنما زيدٌ قائمٌ) ، أو بإلاَّ، نحوُ: (ما زيدٌ إلا قائمٌ) ، وهو المرادُ بقولِهِ: (أو قُصِدَ اسْتِعْمَالُهُ مُنْحَصِرَا) ، فلا يَجُوزُ تقديمُ قائمٌ على زيدٌ في المثاليْنِ، وقد جاءَ التقديمُ معَ إلاَّ شُذوذًا؛ كقولِ الشاعرِ:
52 -فيا رَبِّ هَلْ إِلاَّ بِكَ النَّصْرُ يُرْتَجَى ... عَلَيْهِمْ وهلْ إِلاَّ عَلَيْكَ المُعَوَّلُ [3]
(1) أراد بالمُقَدَّرِ ههنا المُسْتَتِرَ فيه.
(2) يريدُ خلافَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ؛ حيثُ جَوَّزَ البَصْرِيُّونَ التقديمَ، ومَنَعَه الكُوفِيُّونَ، (واقْرَأِ الهامشةَ رَقْمَ 1 في ص 228) .
(3) البيتُ للكُمَيْتِ بنِ زَيْدٍ الأَسْدِيِّ، وهو الشاعرُ المُقَدَّمُ، العالِمُ بلُغَاتِ العربِ، الخبيرُ بأَيَّامِها، وأحدُ شُعَرَاءِ مُضَرَ المُتَعَصِّبِينَ على القَحْطَانِيَّةِ، والبيتُ مِن قصيدةٍ له من قصائدَ تُسَمَّى الهاشِمِيَّاتِ، قالَهَا في مَدْحِ بني هاشِمٍ، وأوَّلُها قولُه:
أَلاَ هَلْ عَمٍ فِي رَأْيِهِ مُتَأَمِّلُ ... وهلْ مُدْبِرٌ بعدَ الإساءةِ مُقْبِلُ
اللغةُ: (عَمٍ) العَمَى: ذَهَابُ البَصَرِ مِن العَيْنَيْنِ جَمِيعًا، ولا يُقالُ: عَمى إلاَّ على ذلكَ، ويقالُ لمَن ضَلَّ عنه وجهُ الصوابِ: هو أَعْمى، وعمٍ، والمرأةُ عَمْياءُ وعَمِيَةٌ، (مُدْبِرٌ) هو في الأصلِ مَن وَلاَّكَ قَفَاهُ، ويُرادُ منه الذي يُعْرِضُ عنكَ ولا يُبَالِيكَ، (المُعَوَّلُ) تقولُ: عَوَّلْتُ على فُلانٍ، إذا جَعَلْتَه سَنَدَكَ الذي تَلْجَأُ إليه، وجَعَلْتَ أُمُورَكَ كُلَّها بينَ يَدَيْهِ، والمُعَوَّلُ ههنا مصدرٌ مِيمِيٌّ بمعنَى التعويلِ.
الإعرابُ: (يَا رَبِّ) يا: حرفُ نداءٍ، رَبِّ: مُنَادًى منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرَةٍ على ما قبلَ ياءِ المتكلِّمِ المحذوفةِ اكتفاءً بكسرِ ما قبلَها، (هلْ) حرفُ استفهامٍ إنكاريٌّ دالٌّ على النفيِ، (إلاَّ) أداةُ استثناءٍ مُلْغَاةٌ، (بِكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، (النَّصْرُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (يُرْتَجَى) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ على (النَّصْرُ) ، ويجوزُ أنْ يكونَ (بِكَ) مُتَعَلِّقًا بقولِه: يُرْتَجَى، وجملةُ يُرْتَجَى معَ نائبِ فاعلِهِ المُسْتَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعِ خبرٍ، (عَلَيْهِمْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ في المعنَى بالنَّصْرُ، ولكنَّ الصناعةَ تَأْبَاهُ؛ لِمَا يَلْزَمُ عليه من الفصلِ بينَ العاملِ ومعمولِهِ بأجنبِيٍّ؛ لهذا يُجْعَلُ مُتَعَلِّقًا بيُرْتَجَى، (وهلْ) حرفُ استفهامٍ تَضَمَّنَ معنَى النفيِ، (إِلاَّ) أداةُ استثناءٍ مُلْغَاةٌ، (عَلَيْكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، (المُعَوَّلُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (بِكَ النَّصْرُ) و (عَلَيْكَ المُعَوَّلُ) ؛ حيثُ قَدَّمَ الخبرَ المحصورَ بإلاَّ في الموضعيْنِ شُذُوذًاَ، وقد كانَ مِن حَقِّه أنْ يقولَ: هل يُرْتَجَى النصرُ إلاَّ بِكَ؟ وهلِ المعوَّلُ إلاَّ عليكَ؟ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ الاستشهادَ بقولِه: (بِكَ النصرُ) لا يَتِمُّ إلا على اعتبارِ أنَّ الجارَّ والمجرورَ خبرٌ مقدَّمٌ، والنصرَ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، فأمَّا على اعتبارِ أنَّ الخبرَ هو جملةُ (يُرْتَجَى) فلا شاهدَ في الجملةِ الأولَى مِن البيتِ لِمَا نحنُ فيه، ويكونُ الشاهدُ في الجملةِ الثانيةِ وحدَها، وعبارةُ الشارِحِ تُفِيدُ ذلكَ؛ فإنَّه تَرَكَ ذِكْرَ الاستشهادِ بالجملةِ الأولَى لاحتمالِها وجهًا آخَرَ، وقد عَلِمْتَ أنَّ الدليلَ إذا احْتَمَلَ وَجْهًا آخرَ سَقَطَ الاستدلالُ به.
والحكمُ بِشُذُوذِ هذا التقديمِ إطلاقًا ـ كما ذَكَرَه الشارِحُ ـ هو رأيُ جماعةِ النحاةِ، فأمَّا علماءُ البلاغةِ فيقولون: إنْ كانَتْ أداةُ القصرِ هي (إنما) لم يَسُغْ تقديمُ الخبرِ إذا كانَ مقصورًا عليه، وإنْ كانَتْ أداةُ القصرِ (إلاَّ) فإنْ قَدَّمْتَ الخبرَ وقَدَّمْتَ معَه (إلا) كما في هذه العبارةِ صَحَّ التقديمُ؛ لأنَّ المعنَى المقصودَ لا يَضِيعُ؛ إذ تقديمُ (إلا) معَه يُبَيِّنُ المرادَ.
وأنتَ لو جَعَلْتَ الخبرَ في صدرِ البيتِ هو جملةَ (يُرْتَجَى) وجَعَلْتَ الجارَّ والمجرورَ مُتَعَلِّقًا به كانَ في هذه العبارةِ تقديمُ معمولِ الخبرِ على المبتدأِ، وهم يَسْتَدِلُّونَ بتقديمِ المعمولِ على جوازِ تقديمِ العاملِ.