الصفحة 161 من 811

المُتَقَدِّمَ خبرٌ جازَ؛ كقولِكَ: (أبو يُوسُفَ أبو حَنِيفَةَ) ، فيَجُوزُ تَقَدُّمُ الخبرِ، وهو أبو حَنِيفَةَ؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ المرادَ تشبيهُ أبي يُوسُفَ بأبي حَنِيفَةَ، لا تَشْبِيهُ أبي حنيفةَ بأبي يوسفَ، ومنه قولُهُ:

51 -بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ [1]

فقولُه: (بَنُونَا) خبرٌ مقدَّمٌ، و: (بنو أبنائِنا) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ؛ لأنَّ المرادَ الحُكْمُ على بَنِي أبنائِهم بأنهم كَبَنِيهِم، وليسَ المرادُ الحُكْمَ على بَنِيهِم بأنهم كَبَنِي أبنائِهِم.

(1) نَسَبَ جماعةٌ هذا البيتَ للفرزدقِ، وقالَ قومٌ: لا يُعْلَمُ قائلُه، معَ شُهْرَتِه في كُتُبِ النحاةِ وأهلِ المعاني والفَرْضِيِّينَ.

الإعرابُ: (بَنُونَا) بنو: خبرٌ مقدَّمٌ، وبنو مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (بَنُو) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وبنو مضافٌ وأبناءِ من (أبنائِنَا) مضافٌ إليه، وأبناءِ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (وَبَنَاتُنَا) الواوٌ عاطفةٌ، بناتُ: مبتدأٌ أوَّلُ، وبناتُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (بَنُوهُنَّ) بنو: مبتدأٌ ثانٍ، وبنو مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (أَبْنَاءُ) خبرُ المبتدأِ الثاني، وجملةُ المبتدأِ الثاني وخبرِه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الأوَّلِ، وأبناءُ مضافٌ و (الرجالِ) مضافٌ إليه، (الأَبَاعِدِ) صفةٌ للرجالِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (بَنُونَا بنو أَبْنَائِنَا) حيثُ قَدَّمَ الخبرَ؛ وهو (بَنُونَا) ، على المبتدأِ؛ وهو (بَنُو أَبْنَائِنَا) ، معَ استواءِ المبتدأِ والخبرِ في التعريفِ؛ فإنَّ كلاًّ مِنهما مضافٌ إلى ضميرِ المتكلِّمِ، وإنما ساغَ ذلك لوجودِ قرينةٍ معنويَّةٍ تُعَيِّنُ عندَ السامعِ المبتدأَ منهما؛ فإنَّكَ قد عَرَفْتَ أنَّ الخبرَ هو مَحَطُّ الفائدةِ، فما يكونُ فيه أساسَ التشبيهِ ـ وهو الذي تُذْكَرُ الجملةُ لأجلِهِ ـ فهو الخبرُ، فإذا سَمِعَ أحدٌ هذا البيتَ تَبَادَرَ إلى ذِهْنِهِ أنَّ المتكلِّمَ به يُرِيدُ تشبيهَ أبناءِ أبنائِهم بأبنائِهم، دونَ العكسِ.

وبعدُ، فقدْ قالَ ابنُ هِشامٍ يَعْتَرِضُ على ابنِ الناظِمِ استشهادَه بهذا البيتِ: (قد يُقالُ: إنَّ هذا البيتَ لا تَقديمَ فيه ولا تأخيرَ، وإنه جاءَ على التشبيهِ المقلوبِ؛ كقولِ ذِي الرُّمَّةِ:

* وَرَمْلٍ كَأَوْرَاكِ الْعَذَارَى قَطَعْتُهُ *

فكانَ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَشْهِدَ بما أَنْشَدَهُ في (شرحِ التسهيلِ) مِن قولِ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ:

قبيلةٌ أَلأَمُ الأحياءِ أَكْرَمُها ... وأَغْدَرُ الناسِ بالجِيرَانِ وَافِيهَا

إذِ المرادُ الإخبارُ عن أَكْرَمِها بأنه أَلأَمُ الأحياءِ، وعن وافِيها بأنه أَغْدَرُ الناسِ، لا العكسُ. اهـ كلامُ ابنِ هِشامٍ.

والجوابُ عنه من وجهيْنِ:

أحدُهما: أنَّ التشبيهَ المقلوبَ من الأمورِ النادرةِ، والحملُ على ما يَنْدُرُ وقوعُه لمجرَّدِ الاحتمالِ ممَّا لا يَجُوزُ أنْ يُصَارَ إليه، وإلاَّ فإنَّ كلَّ كلامٍ يُمْكِنُ تَطْوِيقُ احتمالاتٍ بعيدةٍ إليه، فلا تكونُ ثَمَّةَ طُمَأْنِينَةٌ على إفادةِ غرضِ المتكلِّمِ بالعِبارةِ.

وثانيهما: أنَّ ما ذَكَرَه في بَيْتِ حَسَّانَ مِن أنَّ الغرضَ الإخبارُ عن أكرمِ هذه القبيلةِ بأنه أَلأَمُ الأحياءِ، وعن أَوْفَى هذه القبيلةِ بأنه أَغْدَرُ الأحياءِ، هذا نفسُه يَجْرِي في بيتِ الشاهدِ، فيقالُ: إنَّ غرضَ المتكلِّمِ الإخبارُ عن أبناءِ أبنائِهم بأنهم يُشْبِهُونَ أبناءَهُم، وليسَ الغرضُ أنْ يُخْبِرَ عن بَنِيهم بأنهم يُشْبِهُونَ بني أبنائِهِم، فلَمَّا صَحَّ أنْ يكونَ غرضُ المتكلِّمِ مُعَيِّنًا للمبتدأِ صَحَّ الاستشهادُ ببيتِ الشاهدِ.

ومثلُ بيتِ الشاهدِ قولُ الكُمَيْتِ بنِ زَيْدٍ الأَسدِيِّ:

كَلامُ النَّبِيِّينَ الهُدَاةِ كَلاَمُنَا ... وأَفْعَالَ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ نَفْعَلُ

فإنَّ الغرضَ تَشْبِيهُ كلامِهم بكلامِ النبيِّين الهُدَاةِ، لا العَكْسُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت