فهرس الكتاب
أشارَ في هذه الأبياتِ إلى القِسْمِ الثالثِ، وهو وجوبُ تقديمِ الخبرِ، فذَكَرَ أنه يَجِبُ في أربعةِ مواضِعَ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المبتدأُ نكرةً ليسَ لها مُسَوِّغٌ إلاَّ تَقَدُّمُ الخبرِ، والخبرُ ظرفٌ أو جارٌّ ومجرورٌ، نحوُ: (عِندَكَ رَجُلٌ، وفي الدارِ امرأةٌ) ، فيَجِبُ تقديمُ الخبرِ هنا، فلا تقولُ: (رَجلٌ عندَكَ) ، ولا: (امرأةٌ في الدارِ) .
وأَجْمَعَ النُّحَاةُ والعربُ على مَنْعِ ذلكَ، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (وَنَحْوُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِي وَطَرْ) البيتَ، فإنْ كانَ للنكرةِ مُسَوِّغٌ جازَ الأمرانِ، نحوُ: (رَجلٌ ظَريفٌ عِندِي) ، و (عندي رَجلٌ ظريفٌ) .
الثاني: أنْ يَشْتَمِلَ المبتدأُ على ضميرٍ يعودُ على شيءٍ في الخبرِ، نحوُ: (في الدارِ صَاحِبُها) ، فصاحِبُها مبتدأٌ، والضميرُ المُتَّصِلُ به راجعٌ إلى الدارِ، وهو جزءٌ مِن الخبرِ، فلا يَجُوزُ تأخيرُ الخبرِ، نحوُ: (صاحِبُها في الدارِ) ؛ لئلاَّ يَعُودَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتبةً.
وهذا مرادُ المصنِّفِ بقولِهِ: (كذا إذا عادَ عليه مُضْمَرُ) البيتَ؛ أي: كذا يَجِبُ تقديمُ الخبرِ إذا عادَ عليه مُضْمَرٌ ممَّا يُخْبَرُ بالخبرِ عنه، وهو المبتدأُ، فكأنه قالَ: يَجِبُ تقديمُ الخبرِ إذا عادَ عليه ضميرٌ مِن المبتدأِ، وهذه عبارةُ ابنِ عُصْفُورٍ في بعضِ كُتُبِه، ولَيْسَتْ بصحيحةٍ؛ لأنَّ الضميرَ في قولِكَ: (في الدارِ صَاحِبُها) إنما هو عائدٌ على جُزْءٍ من الخبرِ، لا على الخبرِ، فيَنْبَغِي أنْ تُقَدِّرَ مضافًا محذوفًا في قولِ المصنِّفِ: (عادَ عَلَيْهِ) ، التقديرُ: كذا إذا عادَ على مُلابِسِه.
ثمَّ حُذِفَ المضافُ الذي هو مُلابس، وأُقِيمَ المضافُ إليه - وهو الهاءُ - مُقَامَه، فصارَ اللفظُ: (كذا إذا عادَ عَلَيْهِ) ، ومثلُ قولِكَ: (في الدارِ صاحِبُها) قولُهم: (على التَّمْرَةِ مِثْلُها زُبْدًا) ، وقولُه:
54 -أَهَابُكِ إِجْلالًا وَمَا بِكِ قُدْرَةٌ ... عَلَيَّ وَلَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا [1]
(1) هذا البيتُ قد نَسَبَهُ قومٌ ـ منهم أبو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في شرحِهِ على الأمالي (ص 401) - لنصيبِ بنِ رَبَاحٍ الأكبرِ، ونَسَبَه آخرونَ ـ ومنهم ابنُ نُبَاتَةَ المِصْرِيُّ في كِتابِه (سرحِ العيونِ) (ص 191 بولاق) إلى مجنونِ بَنِي عامرٍ مِن أبياتٍ أَوَّلُها قولُه:
ونَادَيْتُ يَا رَبَّاهُ أَوَّلُ سُؤْلَتِي ... لِنَفْسِيَ لَيْلَى، ثُمَّ أَنْتَ حَسِيبُهَا
دعَا المُحْرِمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ ... بمَكَّةَ يَوْمًا أَنْ تُمَحَّى ذُنُوبُهَا
اللغةُ: (أَهَابُكِ) مِن الهَيْبَةِ، وهي المَخَافَةُ، (إِجْلاَلًا) إعظامًا لقَدْرِك.
المعنى: إني لأَهَابُكِ وأخافُكِ، لا لاقْتِدَارِكِ عَلَيَّ، ولكِنْ إعظامًا لِقَدْرِكِ؛ لأنَّ العينَ تَمْتَلِئُ بِمَن تُحِبُّه فتَحْصُلُ المَهَابَةُ، وهو معنًى أَكْثَرَ الشعراءُ منه؛ انْظُرْ إلى قولِ ابنِ الدُّمَيْنَةِ:
وَإِنِّي لأَسْتَحْيِيكِ حَتَّى كَأَنَّمَا ... عَلَيَّ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مِنْكِ رَقِيبُ
الإعرابُ: (أَهَابُكِ) أَهَابُ: فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنا، والضميرُ البارِزُ المتَّصِلُ مفعولٌ به، مبنيٌّ على الكسرِ في مَحَلِّ نصبٍ، (إجلالًا) مفعولٌ لأجلِه، (وما) الواوُ واوُ الحالِ، وما: نافيةٌ، (بِكِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، (قُدْرَةٌ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (عَلَيَّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقُدْرَةٌ، أو بمحذوفٍ نعتٍ لقُدْرَةٌ، (ولَكِنْ) حرفُ استداركٍ، (مِلْءُ) خبرٌ مقدَّمٌ، ومِلْءُ مضافٌ و (عينٍ) مضافٌ إليه، (حَبِيبُهَا) حبيبُ: مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وحبيبُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه.
الشاهدُ فيه: قولُه: (مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا) ؛ فإنَّه قَدَّمَ الخبرَ؛ وهو قولُه: (مِلْءُ عَيْنٍ) على المبتدأِ؛ وهو قولُه: (حَبِيبُها) ؛ لاتصالِ المبتدأِ بضميرٍ يعودُ على مُلابِسِ الخبَرِ، وهو المضافُ إليه، فلو قَدَّمْتَ المبتدأَ ـ معَ أنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ رُتْبَةَ الخبرِ التأخيرُ ـ لعادَ الضميرُ الذي اتَّصَلَ بالمبتدأِ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً، وذلك لا يجوزُ، لكنَّكَ بتقديمِكَ الخبرَ قد رَجَّعْتَ الضميرَ على متقدِّمٍ لفظًا وإنْ كانَتْ رُتْبَتُه التأخيرَ، وهذا جائزٌ، ولا إشكالَ فيه.