الصفحة 166 من 811

أشارَ في هذه الأبياتِ إلى القِسْمِ الثالثِ، وهو وجوبُ تقديمِ الخبرِ، فذَكَرَ أنه يَجِبُ في أربعةِ مواضِعَ:

الأوَّلُ: أنْ يكونَ المبتدأُ نكرةً ليسَ لها مُسَوِّغٌ إلاَّ تَقَدُّمُ الخبرِ، والخبرُ ظرفٌ أو جارٌّ ومجرورٌ، نحوُ: (عِندَكَ رَجُلٌ، وفي الدارِ امرأةٌ) ، فيَجِبُ تقديمُ الخبرِ هنا، فلا تقولُ: (رَجلٌ عندَكَ) ، ولا: (امرأةٌ في الدارِ) .

وأَجْمَعَ النُّحَاةُ والعربُ على مَنْعِ ذلكَ، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (وَنَحْوُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِي وَطَرْ) البيتَ، فإنْ كانَ للنكرةِ مُسَوِّغٌ جازَ الأمرانِ، نحوُ: (رَجلٌ ظَريفٌ عِندِي) ، و (عندي رَجلٌ ظريفٌ) .

الثاني: أنْ يَشْتَمِلَ المبتدأُ على ضميرٍ يعودُ على شيءٍ في الخبرِ، نحوُ: (في الدارِ صَاحِبُها) ، فصاحِبُها مبتدأٌ، والضميرُ المُتَّصِلُ به راجعٌ إلى الدارِ، وهو جزءٌ مِن الخبرِ، فلا يَجُوزُ تأخيرُ الخبرِ، نحوُ: (صاحِبُها في الدارِ) ؛ لئلاَّ يَعُودَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتبةً.

وهذا مرادُ المصنِّفِ بقولِهِ: (كذا إذا عادَ عليه مُضْمَرُ) البيتَ؛ أي: كذا يَجِبُ تقديمُ الخبرِ إذا عادَ عليه مُضْمَرٌ ممَّا يُخْبَرُ بالخبرِ عنه، وهو المبتدأُ، فكأنه قالَ: يَجِبُ تقديمُ الخبرِ إذا عادَ عليه ضميرٌ مِن المبتدأِ، وهذه عبارةُ ابنِ عُصْفُورٍ في بعضِ كُتُبِه، ولَيْسَتْ بصحيحةٍ؛ لأنَّ الضميرَ في قولِكَ: (في الدارِ صَاحِبُها) إنما هو عائدٌ على جُزْءٍ من الخبرِ، لا على الخبرِ، فيَنْبَغِي أنْ تُقَدِّرَ مضافًا محذوفًا في قولِ المصنِّفِ: (عادَ عَلَيْهِ) ، التقديرُ: كذا إذا عادَ على مُلابِسِه.

ثمَّ حُذِفَ المضافُ الذي هو مُلابس، وأُقِيمَ المضافُ إليه - وهو الهاءُ - مُقَامَه، فصارَ اللفظُ: (كذا إذا عادَ عَلَيْهِ) ، ومثلُ قولِكَ: (في الدارِ صاحِبُها) قولُهم: (على التَّمْرَةِ مِثْلُها زُبْدًا) ، وقولُه:

54 -أَهَابُكِ إِجْلالًا وَمَا بِكِ قُدْرَةٌ ... عَلَيَّ وَلَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا [1]

(1) هذا البيتُ قد نَسَبَهُ قومٌ ـ منهم أبو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في شرحِهِ على الأمالي (ص 401) - لنصيبِ بنِ رَبَاحٍ الأكبرِ، ونَسَبَه آخرونَ ـ ومنهم ابنُ نُبَاتَةَ المِصْرِيُّ في كِتابِه (سرحِ العيونِ) (ص 191 بولاق) إلى مجنونِ بَنِي عامرٍ مِن أبياتٍ أَوَّلُها قولُه:

ونَادَيْتُ يَا رَبَّاهُ أَوَّلُ سُؤْلَتِي ... لِنَفْسِيَ لَيْلَى، ثُمَّ أَنْتَ حَسِيبُهَا

دعَا المُحْرِمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ ... بمَكَّةَ يَوْمًا أَنْ تُمَحَّى ذُنُوبُهَا

اللغةُ: (أَهَابُكِ) مِن الهَيْبَةِ، وهي المَخَافَةُ، (إِجْلاَلًا) إعظامًا لقَدْرِك.

المعنى: إني لأَهَابُكِ وأخافُكِ، لا لاقْتِدَارِكِ عَلَيَّ، ولكِنْ إعظامًا لِقَدْرِكِ؛ لأنَّ العينَ تَمْتَلِئُ بِمَن تُحِبُّه فتَحْصُلُ المَهَابَةُ، وهو معنًى أَكْثَرَ الشعراءُ منه؛ انْظُرْ إلى قولِ ابنِ الدُّمَيْنَةِ:

وَإِنِّي لأَسْتَحْيِيكِ حَتَّى كَأَنَّمَا ... عَلَيَّ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مِنْكِ رَقِيبُ

الإعرابُ: (أَهَابُكِ) أَهَابُ: فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنا، والضميرُ البارِزُ المتَّصِلُ مفعولٌ به، مبنيٌّ على الكسرِ في مَحَلِّ نصبٍ، (إجلالًا) مفعولٌ لأجلِه، (وما) الواوُ واوُ الحالِ، وما: نافيةٌ، (بِكِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، (قُدْرَةٌ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (عَلَيَّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقُدْرَةٌ، أو بمحذوفٍ نعتٍ لقُدْرَةٌ، (ولَكِنْ) حرفُ استداركٍ، (مِلْءُ) خبرٌ مقدَّمٌ، ومِلْءُ مضافٌ و (عينٍ) مضافٌ إليه، (حَبِيبُهَا) حبيبُ: مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وحبيبُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه.

الشاهدُ فيه: قولُه: (مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا) ؛ فإنَّه قَدَّمَ الخبرَ؛ وهو قولُه: (مِلْءُ عَيْنٍ) على المبتدأِ؛ وهو قولُه: (حَبِيبُها) ؛ لاتصالِ المبتدأِ بضميرٍ يعودُ على مُلابِسِ الخبَرِ، وهو المضافُ إليه، فلو قَدَّمْتَ المبتدأَ ـ معَ أنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ رُتْبَةَ الخبرِ التأخيرُ ـ لعادَ الضميرُ الذي اتَّصَلَ بالمبتدأِ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً، وذلك لا يجوزُ، لكنَّكَ بتقديمِكَ الخبرَ قد رَجَّعْتَ الضميرَ على متقدِّمٍ لفظًا وإنْ كانَتْ رُتْبَتُه التأخيرَ، وهذا جائزٌ، ولا إشكالَ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت