فهرس الكتاب
فحَبِيبُها مبتدأٌ مؤخَّرٌ، ومِلْءُ عَيْنٍ خبرٌ مقدَّمٌ، ولا يَجُوزُ تأخيرُه؛ لأنَّ الضميرَ المتَّصِلَ بالمبتدأِ، وهو ها، عائدٌ على عَيْنٍ، وهو مُتَّصِلٌ بالخبرِ، فلو قلتَ: (حَبِيبُهَا مِلْءُ عَيْنٍ) عادَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتبةً، وقد جَرَى الخلافُ في جوازِ (ضَرَبَ غُلامُه زَيْدًا) [1] ، معَ أنَّ الضميرَ فيه عائدٌ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتبةً، ولم يَجْرِ خلافٌ - فيما أَعْلَمُ - في مَنْعِ (صَاحِبُها في الدارِ) ، فما الفرقُ بينَهما؟ وهو ظاهرٌ، فلْيُتَأَمَّلْ.
والفرقُ بينَهما أنَّ ما عادَ عليه الضميرُ وما اتَّصَلَ به الضميرُ اشْتَرَكَا في العاملِ في مسألةِ (ضَرَبَ غلامُه زيدًا) ، بخلافِ مسألةِ (في الدارِ صَاحِبُها) ؛ فإنَّ العاملَ فيما اتَّصَلَ به الضميرُ وما عادَ عليه الضميرُ مُختلِفٌ [2] .
الثالثُ: أنْ يكونَ الخبرُ له صَدْرُ الكلامِ، وهو المرادُ بقولِهِ: (كَذَا إِذَا يَسْتَوْجِبُ التَّصْدِيرَا) ، نحوُ: (أينَ زيدٌ؟) ، فزيدٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وأينَ خبرٌ مقدَّمٌ، ولا يُؤَخَّرُ، فلا تقولُ: (زيدٌ أينَ؟) ؛ لأنَّ الاستفهامَ له صدرُ الكلامِ، وكذلكَ (أينَ مَن عَلِمْتُه نَصيرًا؟) ، فأينَ خبرٌ مُقَدَّمٌ، ومَن مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، وعَلِمْتُه نصيرًا صِلَةُ مَن.
الرابِعُ: أنْ يكونَ المبتدأُ محصورًا، نحوُ: (إنما في الدارِ زيدٌ، وما في الدارِ إلاَّ زيدٌ) ، ومِثلُه: (ما لنا إلاَّ اتباعُ أحمدَ) .
وحذفُ ما يُعْلَمُ جائزٌ كَمَا ... تَقُولُ: (زيدٌ) بَعْدَ (مَنْ عِنْدَكُمَا) [3]
(1) مثلُ ذلكَ المثالِ: كلُّ كلامٍ اتَّصَلَ فيه ضميرٌ بالفاعلِ المتقدِّمِ، وهذا الضميرُ عائدٌ على المفعولِ المتأخِّرِ، نحوُ مثالِ ابنِ مالكٍ في بابِ الفاعلِ مِن الألفيَّةِ: (زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرَ) برفعِ (نَوْرُهُ) على أنه فاعلُ زانَ، ونَصْبِ (الشجرَ) على أنه مفعولُه ـ ونحوُ قولِ الشاعرِ:
جَزَى بَنُوهُ أَبَا الغِيلاَنِ عَنْ كِبَرٍ ... وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُ
ونحوُ قولِ الشاعرِ الآخَرِ:
كَسَا حِلْمُه ذَا الحِلْمِ أَثْوَابَ سُؤْدَدٍ ... ورَقَّى نَدَاهُ ذَا النَّدَى في ذُرَى الْمَجْدِ
وسيأتي بيانُ ذلكَ وإيضاحُه في بابِ الفاعلِ.
(2) وأيضًًا فإنَّ المفعولَ قد تَقَدَّمَ على الفاعلِ كثيرًا في سَعَةِ الكلامِ، نحوُ: (ضَرَبَ عَمْرًا زيدٌ) ، حتَّى لَيُظَنُّ أنَّ رُتْبَتَه قد صَارَتِ التقدُّمَ، بخلافِ الخبرِ؛ فإنَّه ـ وإنْ تَقَدَّمَ على المبتدأِ أحيانًا ـ لا يَتَصَوَّرُ أحدٌ أنَّ رُتْبَتَهُ التقدُّمُ؛ لكونِهِ حُكْمًا، والحُكْمُ في مَرْتَبَةِ التأخُّرِ عن المحكومِ عليه أَلْبَتَّةَ.
وأيضًًا فإنَّ الفاعلَ والفعلَ المتعدِّيَ جَميعًا يُشْعِرَانِ بالمفعولِ، فكانَ المفعولُ كالمتقدِّمِ، بخلافِ الخبرِ المتَّصِلِ بمبتدئِه ضميرٌ يعودُ على مُلابِسِه؛ فإنَّ المبتدأَ إنْ أَشْعَرَ بالخبرِ لم يُشْعِرْ بما يُلاَبِسُ الخبرَ الذي هو مَرْجِعُ الضميرِ.
(3) (وحَذْفُ) مبتدأٌ، وحَذْفُ مضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جرٍّ، (يُعْلَمُ) فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى ما، والجملةُ من الفعلِ المبنيِّ للمجهولِ ونائبِ فاعلِهِ لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ الذي هو ما، (جائِزٌ) خبرُ المبتدأِ، (كما) الكافُ جارَّةٌ، وما مصدريَّةٌ، (تقولُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، وما معَ مَدْخُولِهَا في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بالكافِ؛ أي: كَقَوْلِكَ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: وذلكَ كائنٌ كقولِكَ، و (زيدٌ) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: زيدٌ عندَنا، (بعدَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بتقولُ، (مَن) اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ، (عِنْدَكُمَا) عندَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ عن اسمِ الاستفهامِ، وعندَ مضافٌ والضميرُ الذي للمخاطَبِ مضافٌ إليه، والميمُ حرفُ عِمادٍ، والألفُ حرفٌ دالٌّ على التثنيةِ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ بعدَ إليها.