فهرس الكتاب
55 -نحنُ بما عِنْدَنا وأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ [1]
التقديرُ: (نحنُ بما عندَنا راضونَ) ، ومثالُ حذفِ المبتدأِ أنْ يُقالَ: (كيفَ زيدٌ؟) فتقولَ: (صحيحٌ) ؛ أي: (هو صحيحٌ) .
وإنْ شِئْتَ صَرَّحْتَ بكلِّ واحدٍ مِنهما، فقلتَ: (زيدٌ عندَنا) ، وهو صحيحٌ، ومِثْلُه قولُهُ تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} ؛ أي: مَن عَمِلَ صالحًا فعَمَلُه لنفسِه، ومَن أساءَ فإساءَتُه عليها.
قِيلَ: وقد يُحْذَفُ الجزآنِ - أعني المبتدأَ والخبرَ - للدَّلالةِ عليهما؛ كقولِهِ تعالى: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} ؛ أي: (فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ) ، فحُذِفَ المبتدأُ والخبرُ، وهو (فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ) ؛ لدلالةِ ما قبلَه عليه، وإنما حُذِفَا لوقوعِهما موقعَ مفردٍ، والظاهرُ أنَّ المحذوفَ مفردٌ، والتقديرُ: (واللائي لم يَحِضْنَ كذلكَ) ، وقولُه: {وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} معطوفٌ على {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ} ، والأَوْلَى أنْ يُمَثَّلَ بنحوِ قولِكَ: (نَعَمْ) في جوابِ: (أزيدٌ قائمٌ؟) ؛ إذِ التقديرُ: (نعم زيدٌ قائمٌ) .
(1) هذا البيتُ نَسَبَه ابنُ هِشَامٍ اللَّخْمِيُّ وابنُ بَرِّيٍّ إلى عمرِو بنِ امْرِئِ القيسِ الأنصاريِّ، ونَسَبَه غَيْرُهما ـ ومِنهم العَبَّاسِيُّ في معاهدِ التنصيصِ (ص 99 بولاق) - إلى قَيْسِ بنِ الخَطِيمِ أحدِ فحولِ الشعراءِ في الجاهليَّةِ، وهو الصوابُ، وهو من قصيدةٍ له، أَوَّلُها قولُه:
رَدَّ الخَلِيطُ الجِمَالَ فَانْصَرَفُوا ... مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ أَنَّهُمْ وَقَفُوا
وقيسُ بنُ الخَطِيمِ ـ بالخاءِ المعجمةِ ـ هو صاحبُ القصيدةِ التي أَوَّلُها قولُه:
أَتَعْرِفُ رَسْمًا كَاطِّرَادِ المَذَاهِبِ ... لِعَمْرَةَ وَحْشًا غَيْرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ
اللغةُ: (الرأيُ) أرادَ به هنا الاعتقادَ، وأصلُ جَمْعِه آراءُ، مثلُ سَيْفٍ وأَسْيَافٍ، وثوبٍ وأثوابٍ، وقد نَقَلُوا العينَ قبلَ الفاءِ، فقالوا: آراءُ، كما قالُوا في جمعِ بِئْرٍ: آبارٌ، وفي جمعِ رِيمٍ: آرَامٌ، ووَزْنُ آراءَ وآبارٍ وآرامٍ: أَعْفَالٌ.
الإعرابُ: (نحنُ) ضميرٌ منفصِلٌ مبتدأٌ، مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ رفعٍ، وخبرُه محذوفٌ دَلَّ عليه ما بعدَه، والتقديرُ: نحنُ رَاضُونَ، (بما) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بذلكَ الخبرِ المحذوفِ، (عِنْدَنَا) عندَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِلَةِ (ما) المجرورةِ مَحَلاًّ بالباءِ، وعندَ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (وأَنْتَ) مبتدأٌ، (بما) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (راضٍ) الآتِي، (عِنْدَكَ) عندَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِلَةِ (ما) المجرورةِ محلاًّ بالباءِ، وعندَ مضافٌ وضميرُ المخاطَبِ مضافٌ إليه، (رَاضٍ) خبرُ المبتدأِ الذي هو (أنتَ) ، و (الرأيُ مختلِفُ) مبتدأٌ وخبرُه.
الشاهدُ فيه: قولُه: (نحنُ بما عِنْدَنَا) حيثُ حَذَفَ الخبرَ ـ احْتِرَازًا عن العَبَثِ وقصدًا للاختصارِ معَ ضيقِ المقامِ ـ من قولِهِ: (نحنُ بما عِنْدَنَا) والذي جَعَلَ حَذْفَه سائغًا سهلًا دَلالةُ خبرِ المبتدأِ الثاني عليه.
واعْلَمْ أوَّلًا أن الحَذْفَ من الأوَّلِ لدَلالةِ الثاني عليه شَاذٌّ، والأصلُ الغالِبُ هو الحذفُ من الثاني لدَلالةِ الأوَّلِ عليه.
واعْلَمْ ثانيًا أنَّ بعضَ العلماءِ أرادَ أنْ يَجْعَلَ هذا البيتَ جاريًا على الأصلِ المذكورِ، فزَعَمَ أنَّ (راضٍ) في الشطرِ الثاني من البيتِ ليسَ خبرًا عن (أنتَ) ، بل هو خبرٌ عن (نحنُ) الذي في أوَّلِ البيتِ، وذلك بناءً على أنَّ (نحنُ) للمتكلِّمِ المعظِّمِ نفسَه، وهذا كلامٌ غيرُ سَديدٍ؛ لأنَّ نحنُ، وإنْ كانَتْ كما زَعَمَ المُتَمَحِّلُ للمتكلِّمِ المعظِّمِ لنفسِه فمعناها حيَنئذٍ مفردٌ، تَجِبُ فيها المطابقةُ بالنظرِ إلى لفظِها، فيُخْبَرُ عنها بالجمعِ، كما في قَوْلِهِ تعالى: {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} ، وما أَشْبَهَهُ.