الصفحة 171 من 811

الأَوَّلُ: أنْ يكونَ خبرًا لمبتدأٍ بعدَ (لولا) ، نحوُ: (لولا زيدٌ لأَتَيْتُكَ) ، التقديرُ: (لولا زيدٌ موجودٌ لأَتَيْتُكَ) ، واحْتَرَزَ بقولِهِ: (غَالِبًا) عمَّا وَردَ ذِكْرُه فيه شُذوذًا؛ كَقَوْلِه:

56 -لَولاَ أَبُوكَ ولولا قَبْلَهُ عُمَرٌ ... أَلْقَتْ إِلَيْكَ مَعَدٌّ بِالمْقَالِيدِ [1]

(1) البيتُ لأبي عَطَاءٍ السِّنْدِيِّ ـ واسمُه مرزوقٌ (وقيل: أَفْلَحُ) بنُ يَسَارٍ ـ مَوْلَى بني أَسَدٍ، وهو مِن مُخَضْرَمِي الدولتيْنِ الأُمَوِيَّةِ والعبَّاسِيَّةِ، مِن كَلِمَةٍ يَمْدَحُ فيها ابنَ يَزِيدَ بنَ عُمَرَ بنِ هُبَيْرَةَ، وانْظُرْ قِصَّةَ ذلك في الأغاني (16/ 84 بولاق) ، وقبلَ البيتِ المستشهَدِ به قولُه:

أمَّا أَبُوكَ فَعَيْنُ الجُودِ نَعْرِفُهُ ... وأَنْتَ أَشْبَهُ خَلْقِ اللهِ بِالْجُودِ

ويُرْوَى صدرُ البيتِ: (لولا يَزِيدُ وَلَوْلاَ ـ إلخ) ويَزِيدُ: أبو الممدوحِ، وبعدَ الشاهدِ قولُه:

ما يَنْبُتُ العُودُ إِلاَّ في أَرُومَتِهِ ... ولا يَكُونُ الْجَنَى إِلاَّ مِنَ الْعُودِ

اللغةُ: (مَعَدٌّ) هو أبو العربِ، وهو مَعَدُّ بنُ عَدْنَانَ، وكانَ سِيبَوَيْهِ يقولُ: إنَّ الميمَ من أصلِ الكلمةِ؛ لقولِهِم؛ (تَمَعْدَدَ) بمعنى اتَّصَلَ بمَعَدٍّ بنَسَبٍ أو حِلْفٍ أو جِوَارٍ، أو بمعنَى قَوِيَ وكَمُلَ، قالَ الراجِزُ:

رَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا تَمَعْدَدَا ... كانَ جَزَائِي بِالْعَصَا أَنْ أُجْلَدَا

لقِلَّةِ تَمَفْعَلَ في الكلامِ، ولكنَّ العلماءَ خالفوه في ذلكَ، وذَهَبُوا إلى أنَّ الميمَ في مَعَدٍّ زائدةٌ؛ بدليلِ إدغامِ الدالِ في الدالِ، والْتَزَمُوا أنْ يكونَ تَمَعْدَدَ على زِنَةِ تَمَفْعَلَ، معَ قِلَّتِه، وانْظُرِ الجزءَ الثانِيَ من كتابِنا (دُرُوسِ التصريفِ) . (المقاليدِ) : هو جمعٌ لا مفردَ له مِن لَفْظِه، وقيلَ: مفردُه: إقليدٌ ـ على غيرِ قِيَاسٍ ـ وهو المِفْتَاحُ، وقد كَنَّى الشاعِرُ بإلقاءِ المقاليدِ عن الخضوعِ والطاعةِ وامتثالِ أمرِ الممدوحِ.

المعنَى: يقولُ: أنتَ خَلِيقٌ بأنْ يَخْضَعَ لكَ بنو مَعَدٍّ كُلُّهم؛ لكِفَايَتِكَ وعِظَمِ قَدْرِكَ، وإنما تَأَخَّرَ خُضُوعُهُم لكَ لوجودِ أبيكَ ووجودِ جَدِّكَ من قَبْلِ أَبِيكَ.

الإعرابُ: (لَوْلاَ) حرفٌ يَدُلُّ على امتناعِ الثاني لوجودِ الأوَّلِ، مبنيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (أَبُوكَ) أبو: مبتدأٌ، وأبو مضافٌ والكافُ مضافٌ إليه، والخبرُ محذوفٌ وُجُوبًا، (وَلَوْلاَ) الواوُ عاطفةٌ كالأوَّلِ، لولا: حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، (قَبْلَهُ) قبلَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، وقبلَ مضافٌ والضميرُ البارِزُ مضافٌ إليه، (عُمَر) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (أَلْقَتْ) أَلْقَى: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (إِلَيْكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَلْقَتْ، (مَعَدٌّ) فاعلُ أَلْقَتْ، والجملةُ مِن الفعلِ الماضي وفاعلِهِ لا مَحَلَّ لها؛ جوابُ لولاَ، (بِالْمَقَالِيدِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَلْقَتْ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (ولولا قبلَه عُمَرٌ) حيثُ ذَكَرَ فيه خبرَ المبتدأِ، وهو قولُه: (قَبْلَه) ، معَ كونِ ذلكَ المبتدأِ واقعًا بعدَ لولا التي يَجِبُ حذفُ خبرِ المبتدأِ الواقعِ بعدَها؛ لأنَّه قد عُوِّضَ عنه بجملةِ الجوابِ، ولا يُجْمَعُ في الكلامِ بينَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عنه.

وفي البيتِ توجيهٌ آخرُ:

وهو أن (قبلَه) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ، والخبرُ محذوفٌ، وعلى هذا تكونُ القاعدةُ مستمرَّةً، ولا شاهدَ في البيتِ لِمَا أَتَى به الشارِحُ من أجلِهِ.

ومثلُه في كلِّ ذلك قولُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:

ولولا بَنُوها حَوْلَهَا لخَبَطْتُهَا ... كَخَبْطَةِ عُصْفُورٍ وَلَمْ أَتَلَعْثَمِ

فإنَّ (لولا) حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، (بَنُوهَا) مبتدأٌ مرفوعٌ بالواوِ نيابةً عن الضمَّةِ؛ لكونِه جمعَ مذكَّرٍ سالمًا، والضميرُ البارِزُ مضافٌ إليه، و (حولَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ المبتدأِ، وحولَ مضافٌ والضميرُ البارِزُ مضافٌ إليه، وعلى هذا يكونُ فيه شاهدٌ لِمَا جاءَ الشارِحُ ببيتِ أبي عَطَاءٍ مِن أجلِهِ، ويجوزُ أنْ يكونَ (حولَ) مُتَعَلِّقًا بالخبرِ المحذوفِ على رأيِ الجمهورِ، وعلى ذلك لا يكونُ شاهدًا لِمَا ذَكَرَه الشارِحُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت