فهرس الكتاب
فـ (عمرُ) مبتدأٌ و (قبلَه) خبرٌ.
وهذا الذي ذَكَرَه المصنِّفُ في هذا الكتابِ مِن أنَّ الحذفَ بعدَ (لولا) واجبٌ إلا قليلًا هو طريقةٌ لبعضِ النَّحْوِيِّينَ.
والطريقةُ الثانيةُ: أنَّ الحذفَ واجبٌ دائمًا [1] ، وأن ما وَرَدَ من ذلك بغيرِ حذفٍ في الظاهرِ مُؤَوَّلٌ.
والطريقةُ الثالثةُ: أنَّ الخبرَ إما أنْ يكونَ كونًا مطلقًا أو كونًا مُقَيَّدًا، فإنْ كانَ كونًا مُطلقًا وَجَبَ حَذْفُه، نحوُ: (لولا زيدٌ لكانَ كذا) ؛ أي: لولا زيدٌ موجودٌ، وإنْ كانَ كونًا مقيَّدًا فإمَّا أنْ يَدُلَّ عليه دليلٌ أو لا، فإنْ لم يَدُلَّ عليه دليلٌ وَجَبَ ذِكْرُه، نحوُ: (لولا زيدٌ مُحْسِنٌ إليَّ ما أَتَيْتُ) .
وإنْ دَلَّ عليه دليلٌ جازَ إثباتُه وحذفُه، نحوُ أنْ يُقالَ: هل زيدٌ مُحْسِنٌ إليكَ؟ فتقولَ: (لولا زيدٌ لَهَلَكْتُ) ؛ أي: (لولا زيدٌ مُحْسِنٌ إليَّ) ، فإنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الخبرَ، وإنْ شِئْتَ أَثْبَتَّهُ، ومنه قولُ أبي العلاءِ المَعَرِّيِّ:
57 -يُذِيبُ الرُّعْبُ مِنْهُ كُلَّ عَضْبٍ ... فَلَوْلاَ الْغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالاَ [2]
(1) ههنا شيئانِ نُحِبُّ أنْ نُنَبِّهَكَ إليهما:
الأوَّلُ: أن الطريقةَ الثانيةَ من الطرقِ الثلاثِ التي ذَكَرَها الشارِحُ هي طريقةُ جمهورِ النحاةِ، والفرقُ بينَها وبينَ الطريقةِ الأولى أنَّ أهلَ الطريقةِ الأولَى يقولونَ: إنَّ ذِكْرَ الخبرِ عندَهم بعدَ (لولا) قليلٌ، وليسَ شاذًّا، وذلك بخلافِ طريقةِ الجمهورِ؛ فإنَّ ذِكْرَ الخبرِ عندَهم بعدَ (لولا) إنْ كانَ صادِرًا عمَّن لا يُسْتَشْهَدُ بكلامِه كما في بيتِ المَعَرِّيِّ الآتِي فهو لَحْنٌ، وإنْ كانَ صادرًا عمَّنْ يُسْتَشْهَدُ بكلامِه؛ فإنْ أَمْكَنَ تأويلُه كالشاهدِ 56 وما أَنْشَدْنَاهُ معَه فهو مُؤَوَّلٌ، وإنْ لم يُمْكِنْ تأويلُه فهو شاذٌّ، ولا شكَّ أنَّ القليلَ غيرُ الشاذِّ.
والأمرُ الثاني: أنَّ الشارِحَ قد حَمَلَ كلامَ الناظمِ على الطريقةِ الأُولَى، وذلك مخالِفٌ لِمَا حَمَلَه مَن عَدَاهُ مِن الشروحِ؛ فإنَّهم جميعًا حَمَلُوا كلامَ الناظمِ على الحالةِ الثالثةِ؛ بدليلِ أنه اخْتَارَهَا في غيرِ هذا الكتابِ، وهو الذي أَشَرْنَا إليه عندَ إعرابِ البيتِ.
وتلخيصُه: أنْ تَحْمِلَ قولَه: (غالبًا) على حالاتِ (لولا) ؛ وذلك لأنَّ لولا إما أنْ يَلِيَها كونٌ عامٌّ، وهو أغلبُ الأمرِ فيها، وإما أنْ يَلِيَها كونٌ خاصٌّ، وهو قليلٌ، ثمَّ تَحْمِلَ قولَه: (حَتْمٌ) على الحكمِ النحْويِّ، وكأنه قد قالَ: إنْ كانَ خبرُ المبتدأِ الواقِعِ بعدَ لولا كَوْنًا عامًّا، وهو الغالِبُ، فإنَّه لا يجوزُ ذِكْرُ ذلك الخبرِ، وهذا ـ كما ذَكَرْنَا ـ هو الطريقةُ الثالثةُ، فتَدَبَّرْ.
(2) البيتُ لأبي العَلاَءِ المَعَرِّيِّ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ، نادرةِ الزمانِ، وأوحدِ الدهرِ حِفظًا وذَكاءً وصَفَاءَ نَفْسٍ، وهو مِن شُعَرَاءِ العصرِ الثاني من الدولةِ العبَّاسِيَّةِ؛ فلا يُحْتَجُّ بشِعْرِهِ على قواعدِ النحوِ والتصريفِ، والشارِحُ إنما جاءَ به للتمثيلِ، لا للاحتجاجِ والاستشهادِ به.
اللغةُ: (يُذِيبُ) من الإذابةِ، وهي إسالةُ الحديدِ ونحوِه من الجامداتِ، (الرُّعْبُ) الفَزَعُ والخوفُ، (عَضْبٍ) هو السيفُ القاطِعُ، (الغِمْدُ) قِرَابُ السيفِ وجَفْنُهُ.
الإعرابُ: (يُذِيبُ) فعلٌ مضارِعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، (الرُّعْبُ) فاعلُ يُذِيبُ، (مِنْهُ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: يُذِيبُ. (كُلَّ) مفعولٌ به لِيُذِيبُ، وكلَّ مضافٌ و (عَضْبٍ) مضافٌ إليه، (فلَوْلاَ) حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، (الْغِمْدُ) مبتدأٌ، (يُمْسِكُهُ) يُمْسِكُ: فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى الغِمْدُ، والهاءُ ـ التي هي ضميرُ الغائبِ العائدُ إلى السيفِ ـ مفعولٌ به، والجملةُ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، وسَتَعْرِفُ ما في هذا الإعرابِ مِن المقالِ وتَوْجِيهَه في بيانِ الاستشهادِ، (لَسَالاَ) اللامُ واقعةٌ في جوابِ (لولاَ) ، وسالَ: فعلٌ ماضٍ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ إلى السيفِ، وجملةُ سالَ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ جوابُ لولاَ.
التمثيلُ به: في قولِهِ: (فلولاَ الغِمْدُ يُمْسِكُهُ) ؛ حيثُ ذَكَرَ خبرَ المبتدأِ الواقِعِ بعدَ لولا ـ وهو جملةُ (يُمْسِكُ) وفاعلِه ومفعولِه؛ لأنَّ ذلكَ الخبرَ كونٌ خاصٌّ قد دَلَّ عليه الدليلُ، وخبرُ المبتدأِ الواقعِ بعدَ لولا يَجُوزُ ذِكْرُه كما يَجُوزُ حَذْفُه إذا كانَ كَوْنًا خاصًّا، وقد دَلَّ عليه الدليلُ عندَ قومٍ، كما ذَكَرَه الشارِحُ العَلاَّمَةُ، والجمهورُ على أنَّ الحذفَ واجبٌ، وذلك بناءً مِنهم على ما اخْتَارُوه مِن أنَّ خبرَ المبتدأِ الواقعِ بعدَ (لولا) لا يكونُ إلاَّ كَوْنًا عامًّا، وحينَئذٍ لا يُقالُ: إما أنْ يَدُلُّ عليه دليلٌ أو لا، وعندَهم أنَّ بيتَ المَعَرِّيِّ هذا لَحْنٌ؛ لذِكْرِ الخبرِ بعدَ لولا ومجيئِه به كَوْنًا خاصًّا.
وفي البيتِ توجيهٌ آخَرُ يَصِحُّ به على مَذْهَبِ الجمهورِ، وهو أنْ يكونَ قولُه: (يُمْسِكُ) في تأويلِ مصدرٍ بَدَلِ اشتمالٍ مِن الغِمْدُ، وأصلُه (أنْ يُمْسِكَهُ) ، فلَمَّا حَذَفَ (أن) ارْتَفَعَ الفعلُ؛ كقولِهِم: (تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِن أنْ تَرَاهُ) فيمَن رَوَاهُ برَفْعِ (تَسْمَعُ) مِن غيرِ (أنْ) .
وحاصلُ القولِ في هذه المسألةِ أنَّ النحاةَ اخْتَلَفُوا: هل يكونُ خبرُ المبتدأِ الواقعِ بعدَ لولا كَوْنًا خاصًّا أو لا؟ فقالَ الجمهورُ: لا يكونُ كَوْنًا خاصًّا أَلْبَتَّةَ، بل يَجِبُ كونُه كَوْنًا عَامًّا ويَجِبُ معَ ذلكَ حَذْفُه، فإنْ جاءَ الخبرُ بعدَ لولاَ كَوْنًا خاصًّا في كلامٍ ما فهو لَحْنٌ أو مُؤَوَّلٌ، وقالَ غيرُهم: يَجُوزُ أنْ يكونَ الخبرُ بعدَ لولا كونًا خَاصًّا، لكِنَّ الأكثرَ أنْ يكونَ كونًا عامًّا، فإنْ كانَ الخبرُ كونًا عامًّا وَجَبَ حَذْفُه؛ كما يقولُ الجمهورُ، وإنْ كانَ الخبرُ كونًا خاصًّا: فإنْ لم يَدُلَّ عليه دليلٌ وَجَبَ ذِكْرُه، وإنْ دَلَّ عليه دليلٌ جازَ ذِكْرُه وجازَ حَذْفُه.
فلخبرِ المبتدأِ الواقِعِ بعدَ لولا حالةٌ واحدةٌ عندَ الجمهورِ، وهي وجوبُ الحذفِ، وثلاثةُ أحوالٍ عندَ غَيْرِهم؛ وهي: وجوبُ الحذفِ، ووجوبُ الذِّكْرِ، وجوازُ الأمريْنِ، وقد قَدَّمْنَا لكَ أنَّ الواجِبَ حَمْلُ كلامِ الناظِمِ على هذا؛ لأنَّه صَرَّحَ باختيارِهِ في غيرِ هذا الكتابِ، وقد ذَكَرَ الشارِحُ نفسُه أَنَّ هذا هو اخْتِيَارُ المصنِّفِ.