فهرس الكتاب
وأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا ... عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا [1]
اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في جوازِ تَعَدُّدِ خبرِ المبتدأِ الواحدِ بغيرِ حرفِ عطفٍ، نحوُ: (زيدٌ قائمٌ ضاحِكٌ) :
فذَهَبَ قومٌ - منهم المصنِّفُ - إلى جوازِ ذلكَ، سواءٌ [2] كانَ الخبرانِ في معنى خبرٍ واحدٍ، نحوُ: (هذا حُلْوٌ حَامِضٌ) ؛ أي: مُزٌّ، أم لم يَكُونَا في معنى خبرٍ واحدٍ، كالمثالِ الأوَّلِ.
وذَهَبَ بعضُهم إلى أنه لا يَتَعَدَّدُ الخبرُ إلاَّ إذا كانَ الخبرانِ في معنى خبرٍ واحدٍ، فإنْ لم يَكُونَا كذلكَ تَعَيَّنَ العطفُ، فإنْ جاءَ مِن لِسانِ العربِ شيءٌ بِغيرِ عطفٍ قُدِّرَ له مبتدأٌ آخرُ؛ كقولِهِ تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} ، وقولِ الشاعِرِ:
58 -مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي ... مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي [3]
(1) (وأَخْبَرُوا) فعلٌ ماضٍ وفاعلُه، (بِاثْنَيْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَخْبَرَ، (أو) حرفُ عطفٍ، (بِأَكْثَرَا) جارٌّ ومجرورٌ معطوفٌ بأو على الجارِّ والمجرورِ السابقِ، (عن واحدٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَخْبَرَ، (كَهُم) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، وهي ومجرورُها تَتَعَلَّقُ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ، وهم: مبتدأٌ، (سراةٌ) خَبَرٌ أوَّلُ، (شُعَرَا) أصلُه شُعَرَاءُ فقَصَرَهُ للضرورةِ، وهو خبرٌ ثانٍ، والجملةُ من المبتدأِ وخَبَرَيْهِ في محَلِّ نصبِ مقولِ القولِ المُقَدَّرِ.
(2) الذي يُستفادُ من كلامِ الشارحِ ـ وهو تابِعٌ فيه للناظِمِ في (شرحِ الكافيةِ) ـ أنَّ تَعَدُّدَ الخبرِ على ضَرْبَيْنِ:
الأوَّلُ: تَعَدُّدٌ في اللفظِ والمعنَى جميعًا، وضابطُه: أنْ يَصِحَّ الإخبارُ بكلِّ واحدٍ مِنهما على انفرادِه، كالآيةِ القرآنيَّةِ التي تلاها، وكمثالِ النظمِ، وكالبيتيْنِ اللذين أَنْشَدَهُما.
وحكمُ هذا النوعِ ـ عندَ مَن أجازَ التعدُّدَ ـ أنه يجوزُ فيه العطفُ وتركُه، وإذا عُطِفَ أحدُهما على الآخَرِ جازَ أنْ يكونَ العطفُ بالواوِ وغيرِها. فأمَّا عندَ مَن لم يُجِزِ التعدُّدَ فيَجِبُ أنْ يَعْطِفَ أو يُقَدِّرَ لِمَا عدا الأوَّلَ مبتدآتٍ.
الثاني: التعدُّدُ في اللفظِ دونَ المعنى، وضابطُه: ألاَّ يَصِحَّ الإخبارُ بكلِّ واحدٍ مِنهما على انفرادِه، نحوُ قولِهم: الرُّمَّانُ حُلْوٌ حامِضٌ، وقولِهم: فلانٌ أَعْسَرُ أَيْسَرُ؛ أي: يَعْمَلُ بكِلتا يَدَيْهِ، ولهذا النوعِ أحكامٌ: منها أنه يَمْتَنِعُ عطفُ أحدِ الأخبارِ على غيرِه، ومنها أنه لا يَجُوزُ تَوَسُّطُ المبتدأِ بينَها، ومنها أنه لا يَجُوزُ تقدُّمُ الأخبارِ كلِّها على المبتدأِ، فلا بُدَّ في المثاليْنِ من تقدُّمِ المبتدأِ عليهما، والإتيانِ بهما بغيرِ عطفٍ؛ لأنَّهما عندَ التحقيقِ كشيءٍ واحدٍ، فكلٌّ مِنهما يُشْبِهُ جزءَ الكَلِمَةِ.
(3) يُنْسَبُ هذا البيتُ لرُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ، وهو من شواهدِ سِيبَوَيْهِ (ج 1 ص 258) ، ولم يَنْسُبْهُ ولا نَسَبَه الأعلَمُ، ورَوَى ابنُ منظورٍ هذا البيتَ في (اللِّسانِ) أكثرَ مِن مَرَّةٍ ولم يَنْسُبْه في إحداها، وقد رَوَى بعدَ الشاهدِ في أحدِ المواضِعِ قولَه:
* أَخَذْتُهُ مِنْ نَعَجَاتٍ سِتِّ *
وزادَ على ذلكَ كلِّه في موضِعٍ آخَرَ قولَه:
* سُودٍ نِعَاجٍ كَنِعَاجِ الدَّشْتِ *
اللغةُ: (بَت) قالَ ابنُ الأثيرِ: البَتُّ: الكِساءُ الغليظُ المربَّعُ، وقيلَ: طَيْلَسَانٌ مِن خَزٍّ، وجَمْعُه بُتُوتٌ، وقولُه: (مُقَيِّظٌ) مُصَيِّفٌ، مُشَتِّي) أي: يَكْفِينِي للقَيْظِ؛ وهو زمانُ اشتدادِ الحرِّ، ويَكْفِينِي للصيفِ، وللشتاءِ، (الدَّشْتِ) الصحراءُ، وأصلُه فَارِسِيٌّ، وقد وَقَعَ في شِعْرِ الأَعْشَى ميمونِ بنِ قَيْسٍ، وذلك قولُه:
قَدْ عَلِمَتْ فَارِسٌ وَحِمْيَرُ والْـ ... أَعْرَابُ بالدَّشْتِ أَيُّكُمْ نَزَلاَ
قالَ أهلُ اللغةِ: (وهو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ مِمَّا اتَّفَقَتْ فيه لغةُ العربِ ولغةُ الفُرْسِ) .
المعنى: هذا البيتُ في وَصْفِ كِساءٍ مِن صوفٍ كما قالَ الجَوْهَرِيُّ وغيرُه، ويُريدُ الشاعرُ أنْ يقولَ: إذا كانَ لأحدٍ مِن الناسِ كِسَاءٌ، فإنَّ لي كِسَاءً أَكْتَفِي به في زمانِ حَمَارَّةِ القَيْظِ وزمانِ الصيفِ وزمانِ الشتاءِ، يعني: أنه يَكْفِيهِ الدَّهْرَ كلَّه، وأنه قد أَخَذَ صُوفَه الذي نَسَجَ مِنه مِن نَعَجَاتٍ سِتٍّ سُودٍ كَنِعَاجِ الصحراءِ.
الإعرابُ: (مَنْ) يَجُوزُ أنْ تكونَ اسمًا موصولًا، وهو مبتدأٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعٍ، ويجوزُ أنْ تكونَ اسمَ شرطٍ مبتدأً أيضًًا، وهو مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعٍ أيضًًا، (يَكُ) فعلٌ مضارعٌ ناقصٌ مجزومٌ بسكونِ النونِ المحذوفةِ للتخفيفِ، فإنْ قَدَّرْتَ (مَن) شرطيَّةً فهذا فعلُ الشرطِ، واسمُ يَكُ على الحاليْنِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (مَنْ) ، ولا إشكالَ في جزمِه حينَئذٍ، وإنْ قَدَّرْتَهَا موصولةً فإنما جُزِمَ ـ كما أَدْخَلَ الفاءَ في (فهذا بَتِّي) - لشبهِ الموصولِ بالشرطِ، (ذا) خبرُ يَكُ، منصوبٌ بالألفِ نيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه من الأسماءِ الستَّةِ، وذا مضافٌ و (بتٍّ) مضافٌ إليه، مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، والجملةُ مِن (يَكُ) واسمِها وخبرِها لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ إذا قَدَّرْتَ (مَن) موصولةً، (فهذا) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ الشرطِ إذا قَدَّرْتَ (مَن) اسمَ شرطٍ، وإنْ قَدَّرْتَهَا موصولةً فالفاءُ زائدةٌ في خبرِ المبتدأِ؛ لِشَبَهِهِ بالشرطِ في عمومِه، وها: حرفُ تنبيهٍ، وذا: اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ، (بَتِّي) بتِّ: خبرُ المبتدأِ، وبتِّ مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي) أخبارٌ متعدِّدَةٌ لمبتدأٍ واحدٍ، وهو اسمُ الإشارةِ، والجملةُ من المبتدأِ وخبرِه في محَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو (مَنْ) إنْ قَدَّرْتَ (مَن) موصولةً، وفي محلِّ جزمِ جوابِ الشرطِ إنْ قَدَّرْتَهَا شرطيَّةً، وجملةُ الشرطِ وجوابُه جميعًا في محَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ على تقديرِ (مَن) شرطيَّةً.
الشاهدُ فيه: قولُه: (فهذا بَتِّي، مُقَيِّظٌ، مُصَيِّفٌ، مُشَتِّي) ؛ فإنَّها أخبارٌ متعدِّدَةٌ لمبتدأٍ واحدٍ من غيرِ عاطفٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يكونَ الثانِي نعتًا للأوَّلِ؛ لاختلافِهِما تعريفًا وتنكيرًا. وتقديرُ كلِّ واحدٍ ممَّا عدا الأوَّلَ خَبَرًا لمبتدأٍ محذوفٍ - خِلافُ الأصلِ؛ فلا يُصارُ إليه.