الصفحة 180 من 811

وهي تَرْفَعُ المبتدأَ وتَنْصِبُ خبرَه ويُسَمَّى المرفوعُ بها اسمًا لها، والمنصوبُ بها خبرًا لها.

وهذه الأفعالُ قِسمانِ: منها ما يَعْمَلُ هذا العملَ بلا شرطٍ، وهي كانَ وظَلَّ وباتَ وأَضْحَى وأَصْبَحَ وأَمْسَى وصارَ وليسَ، ومنها ما لا يَعْمَلُ هذا العملَ إلاَّ بشرطٍ، وهو قِسمانِ:

أحدُهما: ما يُشْتَرَطُ في عملِه أنْ يَسْبِقَه نفيٌ لفظًا أو تقديرًا أو شِبْهُ نَفْيٍ، وهو أربعةٌ: زَالَ وبَرِحَ وفَتِئَ وانْفَكَّ، فمثالُ النفيِ لفظًا: (ما زالَ زَيْدٌ قَائمًا) ، ومثالُه تقديرًا قولُه تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} ؛ أي: لا تَفْتَأُ، ولا يُحْذَفُ النافي معَها إلاَّ بعدَ القَسَمِ؛ كالآيةِ الكريمةِ، وقد شَذَّ الحذفُ بدونِ القَسَمِ؛ كقولِ الشاعِرِ:

60 -وَأَبْرَحُ مَا أَدَامَ اللهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدًا [1]

(1) البيتُ لخِدَاشِ بنِ زُهَيْرٍ:

اللغةُ: (مُنْتَطِقًا) قدْ فَسَّرَهُ الشارِحُ العلاَّمَةُ تفسيرًا، ويقالُ: جَاء فلانٌ مُنْتَطِقًا فَرَسَه، إذا جَنَّبَهُ؛ أي: جَعَلَه إلى جانبِه ولم يَرْكَبْهُ، وقالَ ابنُ فارسٍ: هذا البيتُ يَحْتَمِلُ أنه أرادَ أنه لا يَزَالُ بجَنْبُ فرسًا جَوَادًا. ويَحْتَمِلُ أنه أرادَ أنه يقولُ قولًا مُسْتَجَادًا في الثناءِ على قومِه؛ أي: ناطِقًا، (مُجِيدًا) بضمِّ الميمِ: يَجْرِي على المعنييْنِ اللذين ذكَرْناهما في قَوْلِهِ: (مُنْتَطِقًا) ، وهو وصفٌ للفرسِ على الأوَّلِ، ووصفٌ لنفسِه على الثاني.

المعنى: يُرِيدُ أنه سَيَبْقَى مَدَى حياتِه فارِسًا، أو ناطقًا بمآثِرِ قومِه ذاكرًا مَمَادِحَهم؛ لأنَّها كثيرةٌ لا تَفْنَى، وسيكونُ جَيِّدَ الحديثِ عنهم، بارِعَ الثناءِ عليهم؛ لأنَّ صفاتِهم الكريمةَ تُنْطِقُ الألسنةَ بذِكْرِهم.

الإعرابُ: (أَبْرَحُ) فعلٌ مضارعٌ ناقصٌ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنا، (ما) مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، (أَدَامَ) فعلٌ ماضٍ، (اللهُ) فاعلُ أَدَامَ، (قَوْمِي) قوم: مفعولٌ به لأَدَامَ، وقوم مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (بِحَمْدِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: (أَبْرَحُ) ، أو هو متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: (أَحْمَدُ بحَمْدِ) ، وحمدِ مضافٌ و (اللهِ) مضافٌ إليه، (مُنْتَطِقًا) اسمُ فاعلٍ فِعْلُه انْتَطَقَ، وهو خبرُ (أَبْرَحُ) السابقِ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، (مُجِيدًا) مفعولٌ به لمنتطِقٍ على المعنَى الأوَّلِ، وأصلُه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، فلَمَّا حُذِفَ الموصوفُ أُقِيمَتِ الصفةُ مُقامَه، وأصلُ الكلامِ: لا أَبْرَحُ جانبًا فَرَسًا مُجيدًا، وهو خبرٌ بعدَ خبرٍ على المعنى الثاني، وكأنه قالَ: لا أبْرَحُ ناطقًا بمحامدِ قومي مُجيدًا في ذلك؛ لأنَّ محامِدَهم تُنْطِقُ الألسنةَ بجَيِّدِ المَدْحِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (أَبْرَحُ) حيثُ اسْتَعْمَلَهُ بدونِ نفيٍ أو شِبْهِ نفيٍ، معَ كونِهِ غيرَ مسبوقٍ بالقَسَمِ.

قالَ ابنُ عُصْفُورٍ: وهذا البيتُ فيه خلافٌ بينَ النحْويِّينَ؛ فمِنهم مَن قالَ: إنَّ أداةَ النفيِ مُرَادَةٌ، فكأنه قالَ: (لا أَبْرَحُ) . ومنهم مَن قالَ: إن (أَبْرَحُ) غيرُ منفيٍّ، لا في اللفظِ ولا في التقديرِ، والمعنى عندَه: أَزُولُ بحمدِ اللهِ عن أنْ أكونَ مُنْتَطِقًا مُجِيدًا؛ أي: صاحِبَ نِطاقٍ وجَوَادٍ؛ لأنَّ قومِي يَكْفُونَنِي هذا. فعلى هذا الوجهِ الأخيرِ في كلامِ ابنِ عُصْفُورٍ لا استشهادَ فيه.

ومثلُ هذا البيتِ قولُ خَلِيفَةَ بنِ برازٍ:

تَنْفَكُّ تَسْمَعُ مَا حَيِيـ ... ـتَ بهالِكٍ حتَّى تَكُونَهْ

واعْلَمْ أنَّ شروطَ جوازِ حذفِ حرفِ النفيِ مُطلقًا ثلاثةٌ:

الأوَّلُ: أنْ يكونَ هذا الحرفُ (لا) دونَ سائرِ إخوانِه من حروفِ النفيِ.

الثاني: أنْ يكونَ المنفيُّ به مضارعًا؛ كما في الآيةِ، وكما في قولِ امْرِئِ القيْسِ:

فقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... ولوْ قَطَّعُوا رأسِي لَدَيْكِ وأَوْصَالِي

وقولِ عبدِ اللهِ بنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ:

واللهِ أَبْرَحُ في مُقَدِّمَةٍ ... أُهْدِي الجيوشَ عَلَيَّ شِكَّتِيَهْ

حتَّى أُفَجِّعَهُمْ بِإِخْوَتِهِمْ ... وأَسُوقَ نِسْوَتَهُمْ بِنِسْوَتِيَهْ

وقولِ عمرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:

تاللهِ أَنْسَى حُبَّهَا ... حَيَاتَنَا أو أُقْبَرَا

وقولِ نُصَيْبٍ مِن مَرْثِيَّةٍ له في أبي بكرِ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ مَرْوَانَ:

تاللهِ أَنْسَى مُصِيبَتِي أبدًا ... مَا أَسْمَعَتْنِي حَنِينَهَا الإِبِلُ

الثالثُ: أنْ يكونَ ذلك في القَسَمِ؛ كما في الآيةِ الكريمةِ مِن سورةِ يُوسُفَ، وبيتِ امرِئِ القيسِ، وبيتِ عبدِ اللهِ بنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ، وبيتِ عُمَرَ، وبيتِ نُصَيْبٍ، وشَذَّ الحذفُ بدونِ القَسَمِ؛ كما في بيتِ خِدَاشٍ، وبيتِ خَليفةَ بنِ برازٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت