الصفحة 179 من 811

كانَ وَأَخَوَاتُهَا

تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا اسْمًا وَالْخَبَرْ ... تَنْصِبُهُ كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ [1]

ككَانَ ظَلَّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحَا أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَالَ بَرِحَا [2]

فَتِئَ وَانْفَكَّ وَهَذِي الأَرْبَعَهْ ... لِشِبْهِ نَفْيٍ أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ [3]

ومثلُ كَانَ دَامَ مَسْبُوقًا بِـ (مَا) كَأَعْطِ مَا دُمْتَ مُصِيبًا دِرْهَمَا [4]

لَمَّا فَرَغَ مِن الكلامِ على المبتدأِ والخبرِ شَرَعَ في ذِكْرِ نواسِخِ الابتداءِ، وهي قِسمانِ: أفعالٌ وحروفٌ؛ فالأفعالُ كانَ وأَخَوَاتُها، وأفعالُ المُقارَبَةِ، وظَنَّ وأَخَوَاتُها، والحروفُ ما وأَخَوَاتُها، ولا التي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وإنَّ وأَخَوَاتُها.

فبَدَأَ المُصَنِّفُ بذِكْرِ كانَ وأَخَوَاتِها، وكلُّها أفعالٌ اتِّفَاقًا إلاَّ ليسَ؛ فذَهَبَ الجمهورُ إلى أنها فِعْلٌ، وذَهَبَ الفَارِسِيُّ في أحدِ قَوْلَيْهِ وأبو بَكْرِ بنُ شُقَيْرٍ- في أحدِ قَوْلَيْهِ- إلى أنها حرفٌ [5] .

(1) (تَرْفَعُ) فعلٌ مضارعٌ، (كَانَ) قُصِدَ لفظُه: فاعلُ تَرْفَعُ، (المُبْتَدَا) مفعولٌ به لِتَرْفَعُ، (اسْمًا) حالٌ مِن قولِهِ: المُبْتَدَأَ، (وَالْخَبَرِ) الواوُ عاطفةٌ، الخَبَرْ: مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ المذكورُ بعدَه، والتقديرُ: وتَنْصِبُ الخبرَ، (تَنْصِبُهُ) تَنْصِبُ: فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هي يعودُ على (كانَ) ، والضميرُ البارِزُ المتَّصِلُ مفعولٌ به، والجملةُ مِن تَنْصِبُ وفاعلِهِ ومفعولِه لا مَحَلَّ لها؛ تفسيريَّةٌ، (كَكَانَ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلك كائنٌ كقولِكَ، كانَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (سَيِّدًا) خبرُ كانَ مقدَّمٌ، (عُمَر) اسمُها مؤخَّرٌ، مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وسُكِّنَ للوقفِ.

(2) (ككانَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، و (كانَ) هنا قُصِدَ لَفْظُه، (ظَلَّ) قُصِدَ لفظُه أيضًًا: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (باتَ، أَضْحَى، أَصْبَحَا، أَمْسَى، وصارَ، ليسَ، زالَ، بَرِحَا) كلُّهُنَّ معطوفاتٌ على ظَلَّ بإسقاطِ حرفِ العطفِ ما عدا الخامِسَ.

(3) (فَتِئَ وانْفَكَّ) معطوفان أيضًًا على (ظَلَّ) بإسقاطِ حرفِ العطفِ في الأوَّلِ، (وَهَذِي) الواوُ للاستئنافِ، ها: حرفُ تنبيهٍ مبنيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وذي: اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ، (الأربعة) بَدَلٌ من اسمِ الإشارةِ، أو عطفُ بيانٍ عليه، أو نَعْتٌ له، (لِشِبْهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: (مُتْبَعَه) الآتِي، وشِبْهِ مضافٌ و (نَفْيٍ) مضافٌ إليه، (أوْ) حرفُ عطفٍ، (لنفيٍ) جارٌّ ومجرورٌ معطوفٌ على الجارِّ والمجرورِ السابقِ، (مُتْبَعَهْ) خبرُ المبتدأِ الذي هو اسمُ الإشارةِ.

(4) (ومثلُ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، ومثلُ مضافٌ و (كانَ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (دامَ) قُصِدَ لفظُه أيضًًا: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (مَسْبُوقًا) حالٌ من دامَ، (بِمَا) الباءُ حرفُ جرٍّ، و (ما) قُصِدَ لفظُه مجرورٌ مَحَلاًّ بالباءِ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمَسْبُوقًا، (كَأَعْطِ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ كما سَبَقَ مِرارًا، أَعْطِ: فعلُ أمرٍ، وفاعِلُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه وُجُوباَ تقديرُه أنتَ، ومفعولُه الأوَّلُ محذوفٌ، والتقديرُ: (أَعْطِ المُحْتَاجَ) مثلًا، (مَا) مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، (دُمْتَ) دامَ: فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، والتاءُ ضميرُ المخاطَبِ اسمُ دامَ، (مُصِيبًا) خبرُ دامَ، (دِرْهَمَا) مفعولٌ ثانٍ لأَعْطِ.

وتلخيصُ البيتِ: ودامَ مثلُ كانَ ـ في العملِ الذي هو رفعُ الاسمِ ونصبُ الخبرِ ـ لكِن في حالةٍ معيَّنَةٍ، وهي حالةُ ما إذا سُبِقَتْ دامَ بما المصدريَّةِ الظرفيَّةِ الواقعةِ في نحوِ قولِكَ: (أَعْطِ المحتاجَ دِرهمًا ما دُمْتَ مُصيبًا) ؛ أي: مُدَّةَ دَوَامِكَ مُصِيبًا، والمرادُ: ما دُمْتَ تُحِبُّ أَنْ تَكونَ مُصِيبًا.

(5) أَوَّلُ مَن ذَهَبَ مِن النُّحاةِ إلى أنَّ (ليسَ) حرفٌ، هو ابنُ السَّرَّاجِ، وتَابَعَه على ذلكَ أبو عليٍّ الفارِسِيُّ في (الحَلَبِيَّاتِ) ، وأبو بَكْرِ بنُ شقيرٍ، وجماعةٌ.

واسْتَدَلُّوا على ذلك بدليليْنِ:

الدليلُ الأوَّلُ: أنَّ (ليسَ) أَشْبَهَ الحرفَ مِن وجهيْنِ:

الوجهُ الأوَّلُ: أنه يَدُلُّ على معنَى يَدُلُّ عليه الحرفُ؛ وذلك لأنَّه يَدُلُّ على النفيِ الذي يَدُلُّ عليه (ما) وغيرُها من حروفِ النفيِ.

الوجهُ الثاني: أنه جامدٌ لا يَتَصَرَّفُ كما أنَّ الحرفَ جامدٌ لا يَتَصَرَّفُ.

والدليلُ الثاني: أنه خالَفَ سُنَنَ الأفعالِ عامَّةً، وبيانُ ذلك أنَّ الأفعالَ بوجهٍ عامٍّ مُشْتَقَّةٌ مِن المصدرِ للدَّلالةِ على الحَدَثِ دائمًا والزمانِ بحَسَبِ الصِّيَغِ المختلِفَةِ، وهذه الكَلِمَةُ لا تَدُلُّ على الحَدَثِ أَصْلًا، وما فيها مِن الدَّلالةِ على الزمانِ مُخَالِفٌ لِمَا في عامَّةِ الأفعالِ؛ فإنَّ عامَّةَ الأفعالِ الماضيةِ تَدُلُّ على الزمانِ الذي انْقَضَى، وهذه الكَلِمَةُ تَدُلُّ على نفيِ الحَدَثِ الذي دَلَّ عليه خَبَرُها في الزمانِ الحاضِرِ، إلى أنْ تقومَ قَرينةٌ تَصْرِفُه إلى الماضي أو المستقبَلِ، فإذا قلتَ: (ليسَ خَلَقَ اللهُ مِثْلَه) فليسَ أداةُ نفيٍ، واسمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، وجملةُ الفعلِ الماضِي - وهو خَلَقَ - وفاعلِه في محَلِّ نصبِ خبرِها، وفي هذا المثالِ قرينةٌ ـ وهي كونُ الخبرِ ماضيًا ـ على أن المرادَ نفيُ الخلقِ في الماضي، وقولُه تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} يَشْتَمِلُ على قرينةٍ تَدُلُّ على أنَّ المرادَ نفيُ صرفِه عنهم فيما يُسْتَقْبَلُ من الزمانِ؛ مِن أجلِ ذلكَ كلِّه قالُوا: هي حرفٌ.

ويَرُدُّ ذلك عليهم قَبُولُها علاماتِ الفعلِ، ألا تَرَى أن تاءَ التأنيثِ الساكنةَ تَدْخُلُ عليها، فتقولُ: ليسَتْ هندٌ مُفْلِحَةً، وأنَّ تاءَ الفاعلِ تَدْخُلُ عليها، فتقولُ: لَسْتَ، ولَسْتِ، ولَسْتُمَا، ولَسْتُمْ، ولَسْتُنَّ.

وأمَّا عدمُ دَلالتِها على الحَدَثِ كسائرِ الأفعالِ فإنَّه منازَعٌ فيه؛ لأنَّ المُحَقِّقَ الرَّضِيَّ ذهَبَ إلى أنَّ (ليسَ) دالَّةٌ على حَدَثٍ ـ وهو الانتفاءُ ـ ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنها لا تَدُلُّ على حَدَثٍ - كما هو الراجِحُ، بل الصحيحُ عندَ الجمهورِ - فإنا نقولُ: إنَّ عدمَ دَلالتِها على حَدَثٍ ليسَ هو بأصلِ الوضعِ، ولكنَّه طارِئٌ عليها، وعارِضٌ لها بسببِ دَلالتِها على النفيِ، والمعتبَرُ إنما هو الدَّلالةُ بحَسَبِ الوضع وأصلِ اللغةِ، وهي من هذه الجهةِ دالَّةٌ عليه، فلا يَضُرُّها أنْ يَطْرَأَ عليها ذلكَ الطارِئُ فيَمْنَعَها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت