فهرس الكتاب
61 -صاحِ شَمِّرْ وَلاَ تَزَلْ ذَاكِرَ الْمَوْ تِ فَنِسْيَانُهُ ضَلاَلٌ مُبِينُ [1]
والدعاءُ كقَوْلِكَ: (لاَ يَزَالُ اللهُ مُحْسِنًا إليكَ) ، وقولِ الشاعِرِ:
62 -أَلاَ يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ على الْبِلَى ولا زالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ الْقَطْرُ [2]
(1) البيتُ مِن الشواهدِ التي لا يُعْرَفُ قَائِلُها.
المعنى: يا صَاحِبِي اجْتَهِدْ واسْتَعِدَّ للموتِ، ولا تَنْسَ ذِكْرَهُ؛ فإنَّ نِسْيَانَه ضلالٌ ظاهِرٌ.
الإعرابُ: (صاحِ) مُنَادًى حُذِفَتْ منه ياءُ النداءِ، وهو مُرَخَّمٌ تَرْخِيمًا غيرَ قِيَاسِيٍّ؛ لأنَّه نَكِرَةٌ، والقياسُ ألاَّ يُرَخَّمَ مما ليسَ آخِرُه تاءً إلاَّ العَلَمُ، (شَمِّرْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، لا: ناهيةٌ، (تَزَلْ) فعلٌ مضارعٌ ناقصٌ مجزومٌ بحرفِ النهيِ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (ذَاكِرَ) خبرُ تَزَلْ، وذاكِرَ مضافٌ و (الموتِ) مضافٌ إليه، (فَنِسْيَانُهُ) الفاءُ: حرفٌ دالٌّ على التعليلِ، نِسيانُ: مبتدأٌ، ونسيانُ مضافٌ والهاءُ العائدةُ إلى الموتِ مضافٌ إليه، (ضَلاَلٌ) خبرُ المبتدأِ، (مُبِينُ) نعتٌ لضَلالٌ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (وَلاَ تَزَلْ ذَاكِرَ الموتِ) ؛ حيثُ أَجْرَى فيه مضارِعَ (زالَ) مُجْرَى (كانَ) في العملِ؛ لكونِها مسبوقةً بحرفِ النهيِ، والنهيُ شَبِيهٌ بالنفيِ.
(2) البيتُ لذِي الرُّمَّةِ غَيْلاَنَ بنِ عُقْبَةَ، يَقُولُه في صاحِبَتِه مَيَّةَ.
اللغةُ: (البِلَى) مِن بَلِيَ الثوبُ يَبْلَى ـ على وزنِ رَضِيَ يَرْضَى ـ أي: خَلِقَ وَرَثَّ، (مُنْهَلاًّ) مُنْسَكِبًا مُنْصَبًّا، (جَرْعَائِكِ) الجَرْعَاءُ: رملةٌ مستَوِيَةٌ لا تُنْبِتُ شيئًا، (القَطْرُ) المَطَرُ.
المعنى: يَدْعُو لدارِ حَبِيبَتِه بأنْ تدومَ لها السلامةُ على مَرِّ الزمانِ مِن طواراقِ الحَدَثَانِ، وأنْ يدومَ نزولُ المطرِ بساحَتِها، وكَنَّى بنزولِ الأمطارِ عن الخِصْبِ والنَّماءِ بما يَسْتَتْبِعُ مِن رَفَاهِيَةِ أَهْلِها، وإقامَتِهم في رُبُوعِها، وعدمِ المهاجرةِ منها لانتجاعِ الغيثِ والكَلَأِ.
الإعرابُ: (أَلاَ) أداةُ استفتاحٍ وتنبيهٍ، (يَا) حرفُ نِداءٍ، والمنادَى محذوفٌ، والتقديرُ: (يَا دَارَ مَيَّةَ) ، (اسْلَمِي) فعلُ أمرٍ مقصودٌ منه الدعاءُ، وياءُ المؤنَّثةِ المخاطَبَةِ فاعلٌ، (يا دارَ) يا: حرفُ نداءٍ، ودارَ: منادًى منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، ودارَ مضافٌ و (مَيَّ) مضافٌ إليه، (عَلى البِلَى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باسْلَمِي، (ولا) الواوُ حرفُ عطفٍ، لا: حرفُ دُعاءٍ، (زَالَ) فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، (مُنْهَلاًّ) خبرُ زالَ مُقَدَّمٌ، (بجَرْعَائِكِ) الجارُّ والمجرورُ متعلِقٌ بقولِهِ: (مُنْهَلاًّ) ، وجرعاء مضافٌ وضميرُ المخاطبَةِ مضافٌ إليه، (القَطْرُ) اسمُ زالَ مُؤَخَّرٌ.
الشاهدُ فيه: للنحاةِ في هذا البيتِ شاهدانِ:
الأوَّلُ: في قولِهِ: (يا اسْلَمِي) حيثُ حَذَفَ المنادَى قبلَ فعلِ الأمرِ، فاتَّصَلَ حرفُ النداءِ بالفعلِ لفظًا، ولكنَّ التقديرَ على دخولِ (يا) على المنادَى المقدَّرِ، ولا يَحْسُنُ في مِثْلِ هذا البيتِ أنْ تَجْعَلَ (يا) حرفَ تنبيهٍ؛ لأنَّ (ألا) السابقةَ عليها حرفُ تنبيهٍ، ومن قواعِدِهِم المقرَّرَةِ أنه لا يَتَوَالَى حرفانِ بمعنًى واحدٍ لغيرِ توكيدٍ. ومثلُ هذا البيتِ فيما ذَكَرْنَا قولُ الشَّمَّاخِ:
يقولونَ لي يا احْلِفْ ولستُ بحَالِفٍ ... أُخَادِعُهُمْ عَنْهَا لِكَيْمَا أَنَالُهَا
فقدْ أرادَ: يقولونَ لي: يا هذا، احْلِفْ.
ومثلُهُ قوْلُ الأَخْطَلِ:
ألاَ يَا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَكْرِ ... ولا زالَ حَيَّانَا عِدًى آخِرَ الدهْرِ
أرادَ: ألا يا هِنْدُ اسلمي يا هندَ بني بَكْرٍ.
ومثلُه قولُ الآخَرِ:
ألاَ يَا اسْلَمِي ذاتَ الدَّمَالِيجِ والعِقْدِ ... وذاتَ الثَّنَايَا الغُرِّ والفَاحِمِ الجَعْدِ
أرادَ: ألا يا ذاتَ الدَّمَالِيجِ، اسْلَمِي ذاتَ الدماليجِ ... إلخ.
ومثلُ الأمرِ الدعاءُ؛ كما في قوْلِ الفَرَزْدَقِ:
يا أَرْغَمَ اللهُ أَنْفًا أَنْتَ حَامِلُهُ ... يَا ذا الخَنَى ومَقَالِ الزُّورِ والخَطَلِ
يُريدُ: يا هذا، أَرْغمَ اللهُ أنفًا ... إلخ.
ومثلُه قولُ الآخَرِ:
يا لَعْنَةُ اللهِ والأقوامِ كُلِّهِمُ ... والصالحينَ على سِمْعَانَ مِنْ جَارِ
فيمَن رَوَاهُ برفعِ (لعنةُ اللهِ) .
والشاهدُ الثاني: في قولِهِ: (ولا زالَ ... إلخ) حيثُ أَجْرَى (زالَ) مُجْرَى (كانَ) في رَفْعِهَا الاسمَ ونصبِ الخبر؛ لتقدُّمِ (لا) الدُّعَائِيَّةِ عليها، والدعاءُ شِبْهُ النفيِ.