فهرس الكتاب
مرادُه أنَّ أخبارَ هذه الأفعالِ إنْ لم يَجِبْ تقديمُها على الاسمِ ولا تأخيرُها عنه يَجُوزُ تَوَسُّطُها بينَ الفعلِ والاسمِ [1] ، فمثالُ وجوبِ تقديمِها على الاسمِ قولُكَ: (كانَ في الدارِ صَاحِبُها) ، فلا يَجُوزُ ههنا تقديمُ الاسمِ على الخبرِ؛ لئلاَّ يَعُودَ الضميرُ على متأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً.
ومثالُ وجوبُ تأخيرِ الخبرِ عن الاسمِ قولُكَ: (كانَ أخي رَفِيقِي) ، فلا يَجُوزُ تقديمُ رفيقِي على أنه خَبَرٌ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ ذلك؛ لعدمِ ظهورِ الإعرابِ.
ومثالُ ما تَوَسَّطَ فيه الخبرُ قولُكَ: (كانَ قائمًا زيدٌ) ، قالَ اللهُ تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} . وكذلك سائرُ أفعالِ هذا البابِ مِن المتصرِّفِ وغيرِه يَجُوزُ توسُّطُ أخبارِها بالشرطِ المذكورِ، ونَقَلَ صَاحِبُ (الإرشادِ) خِلافًا في جوازِ تقديمِ خبرِ ليسَ على اسمِها، والصوابُ جَوَازُه؛ قالَ الشاعِرُ:
65 -سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمُ ... فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ [2]
(1) حاصلُ القولِ في هذا الموضِعِ أنَّ لخبرِ كانَ وأَخَوَاتِها سِتَّةَ أحوالٍ:
الأوَّلُ: وُجُوبُ التأخيرِ، وذلك في مسألتيْنِ:
إحداهما: أنْ يكونَ إعرابُ الاسمِ والخبرِ جَمِيعًا غيرَ ظاهرٍ، نحوُ: كانَ صديقي عَدُوِّي.
وثانيهما: أنْ يكونَ الخبرُ مَحْصُورًا، نحوُ قولِهِ تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} ، والمُكاءُ: التَّصْفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ.
الثاني: وجوبُ التوسُّطِ بينَ العاملِ واسمِه، وذلك في نحوِ قولِكَ: يُعْجِبُنِي أنْ يكونَ في الدارِ صاحِبُها. فلا يجوزُ في هذا المثالِ تأخيرُ الخبرِ عن الاسمِ؛ لئلاَّ يَلْزَمَ منه عَوْدُ الضميرِ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً، كما لا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ الخبرُ على أنِ المصدريَّةِ؛ لئلاَّ يَلْزَمَ تَقْدِيمُ معمولِ الصلةِ على الموصولِ، فلم يَبْقَ إلا توسُّطُ هذا الخبرِ على ما ذَكَرْنَا.
الثالِثُ: وجوبُ التقدُّمِ على الفعلِ واسمِه جميعًا، وذلك فيما إذا كانَ الخبرُ ممَّا له الصدارةُ؛ كاسمِ الاستفهامِ، نحوُ:
(أينَ كانَ زيدٌ؟) .
الرابِعُ: امتناعُ التأخُّرِ عن الاسمِ، معَ جوازِ التوسُّطِ بينَ الفعلِ واسمِه أو التقدُّمِ عليهما، وذلك فيما إذا كانَ الاسمُ متَّصِلًا بضميرٍ يعودُ على بعضِ الخبرِ، ولم يَكُنْ ثَمَّةَ مانعٌ مِن التقدُّمِ على الفعلِ، نحوُ: (كانَ في الدارِ صَاحِبُها، وكانَ غلامَ هِنْدٍ بعلُها) يجوزُ أنْ تقولَ ذلك، ويجوزُ أنْ تقولَ: (في الدارِ كانَ صاحبُها، وغلامَ هندٍ كانَ بَعْلُها) بنصبِ غلامَ، ولا يجوزُ في المثاليْنِ التأخيرُ عن الاسمِ.
الخامِسُ: امتناعُ التقدُّمِ على الفعلِ واسمِه جميعًا، معَ جوازِ توسُّطِه بينَهما أو تأَخُّرِه عَنهما جَميعًا، نحوُ: (هل كانَ زيدٌ صَدِيقَكَ) ؟ ففي هذا المثالِ يجوزُ هذا، ويجوزُ (هل كانَ صديقَك زيدٌ) ، ولا يجوزُ تقديمُ الخبرِ على (هلْ) ؛ لأنَّ (هل) لها صَدْرُ الكلامِ، ولا توسيطُه بينَ هلْ والفعلِ؛ لأنَّ الفصلَ بينَهما غيرُ جائزٍ.
السادسُ: جوازُ الأمورِ الثلاثةِ، نحوُ: (كانَ مُحَمَّدٌ صديقَكَ) يجوزُ فيه ذلكَ كما يجوزُ أنْ تقولَ: صديقَكَ كانَ مُحَمَّدٌ، وأنْ تقولَ: كانَ صديقَكَ مُحَمَّدٌ. بنصبِ الصديقِ.
(2) البيتُ من قصيدةٍ للسَّمَوْءَلِ بنِ عادِيَاءَ الغَسَّانِيِّ، المضروبِ به المثلُ في الوفاءِ، ومطلَعُ قصيدتِه التي مِنها بيتُ الشاهدِ قولُه:
إذَا المَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ ... فكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ
وإنْ هوَ لم يَحْمِلْ على النفسِ ضَيْمَهَا ... فليسَ إلى حُسْنِ الثناءِ سَبِيلُ
اللغةُ: (يَدْنَسْ) الدَّنَسُ ـ بفتحِ الدالِ المهملةِ والنونِ ـ هو الوَسَخُ والقَذَرُ، والأصلُ فيه أنْ يكونَ في الأمورِ الحِسِّيَّةِ، والمرادُ ههنا الدَّنَسُ المعنويُّ، (اللُّؤْمِ) اسمٌ جامعٌ للخِصالِ الدنيئةِ ومقابحِ الصفاتِ، (رِدَاءٍ) هو في هذا الموضِعِ مستعارٌ للخَصْلَةِ من الخِصالِ؛ أي: إذا نَظُفَ عِرْضُ المرءِ فلم يَتَّصِفْ بصفةٍ من الصفاتِ الدنيئةِ فإنَّ له بعدَ ذلكَ أنْ يَتَّصِفَ بما يشاءُ، يريدُ أنَّ له أنْ يَخْتَارَ من المكارمِ وخِصالِ البِرِّ الخَصْلَةَ التي يَرْغَبُها، (ضَيْمَهَا) الضَّيْمُ: الظلْمُ.
المعنى: يقولُ لمَنْ يُخَاطِبُها: سَلِي الناسَ عنَّا وعمَّن تُقَارِنِينَهُم بنا ـ إنْ لم تكوني عَالِمَةً بحالِنا، مُدْرِكَةً للفرقِ العظيمِ الذي بينَنَا وبينَهم ـ لكي يَتَّضِحَ لكِ الحالُ؛ فإنَّ العالِمَ بحقيقةِ الأمرِ ليسَ كمَن جَهِلَها.
الإعرابُ: (سَلِي) فعلُ أمرٍ، وياءُ المخاطَبَةِ فاعِلُه، (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، (جَهِلْتِ) جَهِل: فعلٌ ماضٍ فعلُ الشرطِ، وتاءُ المخاطَبَةِ فاعلٌ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه ما قبلَه، (عَنَّا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: سَلِي، (وَعَنْهُمُ) جارٌّ ومجرورٌ معطوفٌ بالواوِ على الجارِّ والمجرورِ قبلَه، (فَلَيْسَ) الفاءُ حرفٌ دالٌّ على التعليلِ، وليسَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (سَوَاءً) خبرُ ليسَ مُقَدَّمٌ، (عَالِمٌ) اسمُ ليسَ مُؤَخَّرٌ، (وجَهُولُ) معطوفٌ على عالِمٌ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ) ؛ حيثُ قَدَّمَ خبرَ ليسَ، وهو (سواءً) ، على اسمِها، وهو (عالمٌ) ، وذلك جائزٌ سائغٌ في الشعرِ وغيرِه، خِلافًا لمَن نَقَلَ المَنْعَ عنه صاحِبُ (الإرشادِ) ، وقد نَسَبَ ابنُ هِشامٍ القولَ بالمنعِ إلى ابنِ دَرَسْتَوَيْهِ.