الصفحة 185 من 811

واخْتَلَفَ الناسُ في كانَ الناقصةِ: هل لها مصدرٌ أم لا؟ والصحيحُ أنَّ لها مصدرًا، ومنه قولُه:

64 -بِبَذْلٍ وحِلْمٍ سَادَ فِي قَوْمِهِ الْفَتَى ... وكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ [1]

وما لا يَتَصَرَّفُ منها وهو دامَ وليسَ [2] ، وما كانَ النفيُ أو شِبْهُه شرطًا فيه، وهو زالَ وأَخَوَاتُها لا يُسْتَعْمَلُ منه أمرٌ ولا مصدرٌ.

وفي جَمِيعِها تَوَسُّطَ الخَبَرْ ... أَجِزْ وكُلٌّ سَبْقَهُ دامَ حَظَرْ [3]

(1) وهذا البيتُ أيضًًا من الشواهدِ التي لم يَنْسُبُوها إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ.

اللغةُ: (بَذْلٍ) عطاءٍ، (سَادَ) من السِّيادةِ، وهي الرِّفْعَةُ وعِظَمُ الشأنِ.

المعنى: أنَّ الرجلَ يَسُودُ في قومِه ويَنْبُهُ ذِكْرُهُ في عَشِيرَتِهِ ببَذْلِ المالِ والحِلْمِ، وهو يَسِيرٌ عليكَ إنْ أَرَدْتَ أنْ تكونَ ذلك الرجلَ.

الإعرابُ: (بِبَذْلٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بسادَ، (وحِلْمٍ) معطوفٌ على بَذْلٍ، (سادَ) فعلٌ ماضٍ، (في قومِهِ) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ أيضًًا بسَادَ، وقومِ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (الْفَتَى) فاعلُ سادَ، (وكَوْنُكَ) كونُ: مبتدأٌ، وهو مصدرُ كانَ الناقصةِ، فمِن حيثُ كونُه مبتدأً يَحْتَاجُ إلى خبرٍ، وهو قولُه: (يَسِيرُ) الآتي، ومن حيثُ كونُه مصدرَ كانَ الناقصةِ يَحتاجُ إلى اسمٍ وخبرٍ، فأمَّا اسمُه فالكافُ المتَّصِلَةُ به، فلهذه الكافِ محلاَّنِ: أَحَدُهما جَرٌّ بالإضافةِ، والثاني رفعٌ على أنها الاسمُ، وأمَّا خَبَرُها فقولُه: (إِيَّاهُ) ، وقولُه: (عليكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيَسِيرُ، وقولُه: (يَسِيرُ) هو خبرُ المبتدأِ، على ما تَقَدَّمَ ذِكْرُه.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وكَوْنُكَ إِيَّاهُ) ؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ مصدرَ كانَ الناقصةِ، وأَجْرَاهُ مُجْرَاها في رفعِ الاسمِ ونصبِ الخبرِ. وقد بَيَّنْتُ لكَ اسمَه وخَبَرَه في إعرابِ البيتِ.

فهذا الشاهدُ يَدُلُّ على شَيْئَيْنِ:

أَوَّلُهُما: أنَّ (كانَ) الناقصةَ قد جاءَ لها مصدرٌ في كلامِ العربِ، فهو ردٌّ على مَن قالَ: لا مصدرَ لها.

وثانيهما: أنَّ غيرَ الماضي من هذه الأفعالِ ـ سواءٌ أكانَ اسمًا، أم كانَ فعلًا غيرَ ماضٍ ـ يَعْمَلُ العملَ الذي يَعْمَلُه الفعلُ الماضِي، وهو رفعُ الاسمِ ونصبُ الخبرِ.

(2) رَجَّحَ العلاَّمَةُ الصَّبَّانُ أنَّ دامَ الناقصةَ لها مصدرٌ، ودليلُه على ذلكَ شيئانِ:

الأوَّلُ: أنها تُسْتَعْمَلُ أَلْبَتَّةَ صِلَةً لِمَا المصدريَّةِ الظرفيَّةِ، ووجهُ الاستدلالِ بهذا الوجهِ أنَّ ما المصدريَّةَ معَ صِلَتِها تَسْتَوْجِبُ التقديرَ بمَصْدَرٍ، فاسْتِعْمَالُهُمْ هذا الفعلَ بعدَ (ما) يُشِيرُ إلى أنهم يَعْتَقِدُونَ أن لها مَصْدرًا.

والثاني: أنَّ العلماءَ جَرَوْا على تقديرِ ما دامَ في نحوِ قولِه تعالى: {مَا دُمْتُ حَيًّا} بقَوْلِهِم: مُدَّةَ دَوَامِي حَيًّا، ولو أننا الْتَزَمْنَا أنَّ هذا مصدرٌ لدامَ التامَّةِ، أو أنَّ العلماءَ اخْتَرَعُوا في هذا التقديرِ مصدرًا لم يَرِدْ عن العربِ، لَكُنَّا بذلك جائِرِينَ مُسِيئِينَ بمَن قامَ على العربيَّةِ وحَفِظَها الظنَّ كلَّ الإساءةِ، فلَزِمَ أنْ يكونَ هذا المصدرُ مصدرَ الناقصةِ، فتَتِمَّ الدَّعْوَى.

(3) (وفي جَمِيعِهَا) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بتَوَسُّطَ، وجميعِ مضافٌ وها مضافٌ إليه، (تَوَسُّطَ) مفعولٌ به لأَجِزْ مُقَدَّمٌ عليه، وتَوَسُّطَ مضافٌ و (الخبرْ) مضافٌ إليه، (أَجِزْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (كُلٌّ) مبتدأٌ، (سَبْقَهُ) سَبْقَ: مفعولٌ به مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو حَظَرْ، وسَبْقَ مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى الخبرِ مضافٌ إليه، من إضافةِ المصدرِ إلى فاعلِه، (دامَ) قُصِدَ لَفْظُه: مفعولٌ به لسَبْقَ، (حَظَرْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ إلى كلٌّ، والجملةُ مِن حَظَر وفاعلِهِ في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، وهو كلٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت