الصفحة 184 من 811

هذه الأفعالُ على قِسميْنِ [1] :

أَحَدُهما: ما يَتَصَرَّفُ، وهو ما عدا ليسَ ودامَ.

والثاني: ما لا يَتَصَرَّفُ، وهو ليسَ ودامَ، فنَبَّهَ المصنِّفُ بهذا البيتِ على أنَّ ما يَتَصَرَّفُ مِن هذه الأفعالِ يَعْمَلُ غيرُ الماضي مِنه عَمَلَ الماضِي، وذلك هو المضارِعُ، نحوُ: (يكونُ زيدٌ قائمًا) ، قالَ اللهُ تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ، والأمرُ نحوُ: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} ، وقالَ اللهُ تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} ، واسمُ الفاعلِ نحوُ: (زَيْدٌ كائنٌ أخاكَ) ، وقالَ الشاعِرُ:

63 -وما كُلُّ مَنْ يُبْدِي البَشَاشَةَ كَائِنًا ... أَخَاكَ إِذَا لَمْ تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدَا [2]

والمصدَرُ كذلكَ.

(1) هي على قِسْمَيْنِ إجمالًا، ولكنَّها على ثلاثةِ أقسامٍ تَفْصِيلًا:

الأوَّلُ: ما لا يَتَصَرَّفُ أصلًا، فلم يأتِ مِنه إلاَّ الماضي، وهو فِعلانِ: ليسَ، ودامَ، فإنْ قلتَ: فإنَّه قد سُمِعَ: يَدُومُ، ودُمْ، ودائِمٌ، ودَوَامٌ. قلتُ: هذه تَصَرُّفَاتُ دامَ التامَّةِ التي تَرْفَعُ فاعلًا فقطْ، والكلامُ إنما هو في دامَ الناقصةِ التي تَرْفَعُ الاسمَ وتنصِبُ الخبرَ.

الثاني: ما يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا ناقصًا؛ بأنْ يكونَ المستعمَلُ منه الماضِيَ والمضارِعَ واسمَ الفاعلِ، وهو أربعةُ أفعالٍ: زَالَ، وفَتِئَ، وبَرِحَ، وانْفَكَّ.

الثالثُ: ما يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا تامًّا؛ بأنْ تَجِيءَ منه أنواعُ الفعلِ الثلاثةُ: الماضي، والمضارِعُ، والأمرُ، ويَجِيءَ منه المصدرُ واسمُ الفاعلِ، وهو الباقي، وقد اخْتَلَفَ النُّحاةُ في مجيءِ اسمِ المفعولِ من القِسمِ الثالثِ؛ فمَنَعَه قومٌ منهم أبو عليٍّ الفَارِسِيُّ، فقد سَأَلَهُ تِلميذُه ابنُ جِنِّيٍّ عن قولِ سِيبَوَيْهِ: = (مَكُونٌ فيه) فقالَ: ما كلُّ داءٍ يُعَالِجُه الطبيبُ. وأجازَه غيرُ أبي عَلِيٍّ، فاحْفَظْ ذلك.

(2) البيتُ من الشواهدِ التي لم نَقِفْ لها على نسبةٍ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ.

اللغةُ: (يُبْدِي) يُظْهِرُ، (البَشاشةَ) طلاقَةَُ الوجهِ، (تُلْفِهِ) تَجِدْهُ، (مُنْجِدًا) مُسَاعِدًا.

المعنى: ليسَ كلُّ أحدٍ يَلْقَاكَ بوجهٍ ضاحِكٍ أخاكَ الذي تَرْكَنُ إليه، وتَعْتَمِدُ في حاجَتِكَ عليه، وإنما أخوكَ هو الذي تَجِدُهُ عَوْنًا لكَ عندَ الحاجةِ.

الإعرابُ: (ما) نافيةٌ تَعْمَلُ عملَ ليسَ، (كُلُّ) اسْمُها، وكلُّ مضافٌ و (مَن) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه، (يُبْدِي) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (مَن) ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، (البَشَاشَةَ) مفعولٌ به ليُبْدِي، (كائنًا) خبرُ ما النافيةِ، وهو اسمُ فاعلٍ متصرِّفٌ مِن كانَ الناقصةِ، واسمُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى كلُّ، (أَخَاكَ) أخَا: خبرُ كائنٍ منصوبٌ بالألفِ نيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه من الأسماءِ الستَّةِ، وأخا مضافٌ، والكافُ مضافٌ إليه، (إِذَا) ظرفٌ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (لم) حرفُ نفيٍ وجزمٍ، (تُلْفِهِ) تُلْفِ: فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلم، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، والهاءُ مفعولٌ أوَّلُ لِتُلْفِي، (لكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (مُنْجِدَا) الآتي، (مُنْجِدَا) مفعولٌ ثانٍ لتُلْفِي، وقالَ العَيْنِيُّ: هو حالٌ. وذلك مبنيٌّ على أن (ظَنَّ) وأَخَوَاتِها تَنْصِبُ مفعولًا واحدًا، وهو رأيٌ ضعيفٌ لبعضِ النُّحاةِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (كائنًا أخاكَ) ؛ فإنَّ (كائنًا) اسمُ فاعلٍ من كانَ الناقصةِ، وقد عَمِلَ عَمَلَها، فرَفَعَ اسمًا ونصَبَ خبرًا، أمَّا الاسمُ فهو ضميرٌ مستترٌ فيه، وأمَّا الخبرُ فهو قولُه: (أخاكَ) على ما بَيَّنَّاهُ في إعرابِ البيتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت