فهرس الكتاب
خبرِها عليها، وتقريرُه أنَّ (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) معمولُ الخبرِ الذي هو (مصروفًا) ، وقد تَقَدَّمَ على (ليسَ) ، قالَ: ولا يَتَقَدَّمُ المعمولُ إلاَّ حيثُ يَتَقَدَّمُ العامِلُ [1] .
وقولُه: (وذو تَمَامٍ ... إلى آخرِهِ) معناه: أن هذه الأفعالَ انْقَسَمَتْ إلى قِسميْنِ:
أحدُهما: ما يكونُ تامًّا وناقصًا.
والثاني: ما لا يكونُ إلاَّ ناقصًا، والمرادُ بالتامِّ ما يَكْتَفِي بمرفوعِه، وبالناقِصِ ما لا يَكْتَفِي بمرفوعِه، بل يَحْتَاجُ معَه إلى منصوبٍ، وكلُّ هذه الأفعالِ يَجُوزُ أنْ تُسْتَعْمَلَ تامَّةً إلاَّ (فَتِئَ) و (زالَ) التي مضارِعُها يَزَالُ، لا التي مُضَارِعُها يَزُولُ؛ فإنَّها تامَّةٌ، نحوُ: (زالَتِ الشمسُ) ، و (ليسَ) ؛ فإنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلاَّ ناقصةً.
ومثالُ التامِّ قولُه تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ؛ أي: إنْ وُجِدَ ذو عُسْرَةٍ، وقولُه تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} ، وقولُه تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} .
ولا يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ ... إِلاَّ إِذَا ظَرفًا أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرْ [2]
(1) هذه القاعدةُ لَيْسَتْ مُطَّرِدَةً تمامَ الاطِّرَادِ، وإنْ كانَ العلماءُ قد اتَّخَذُوها دليلًا في كثيرٍ من المواطِنِ، وجَعَلُوها كالشيءِ المسلَّمِ به الذي لا يَتَطَرَّقُ إليه النقضُ، ونحنُ نَذْكُرُ لكَ عِدَّةَ مواضِعَ أَجَازُوا فيها تقديمَ المعمولِ، ولم يُجِيزُوا فيها تقدُّمَ العامِلِ:
الموضِعُ الأوَّلُ: إذا كانَ خبرُ المبتدأِ فعلًا، لم يُجِزِ البصريونَ تقديمَه على المبتدأِ؛ لئلاَّ يَلْتَبِسَ المبتدأُ بالفاعلِ، فلا يقولونَ: (ضَرَبَ زيدٌ) على أن يكونَ في ضرَبَ ضميرٌ مستترٌ، وجملتُه خبرٌ مُقَدَّمٌ، لكِنْ أجازوا تقديمَ معمولِ هذا الخبرِ على مبتدئِه في نحوِ: (عمرٌو ضَرَبَ زيدًا) فيقولون: (زيدًا عمرٌو ضَرَبَ) .
الموضِعُ الثاني: خبرُ إنَّ ـ إنْ لم يَكُنْ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا ـ لم يُجِيزُوا تقديمَه على اسمِها، فلا يقولونَ: (إنَّ جالسٌ زيدًا) ، وأجازوا تقديمَ معمولِهِ على الاسمِ، فيقولون: (إنَّ عندكَ زيدًا جالسٌ) .
الموضِعُ الثالثُ: الفعلُ المنفيُّ بلم أو لنْ ـ نحوُ: (لم أَضْرِبْ، ولنْ أَضْرِبَ) ـ لم يُجِيزُوا تقديمَه على النفيِ، وأجازوا تقديمَ معمولِه عليه، نحوُ: (زيدًا لنْ أَضْرِبَ، وعَمْرًا لم أُصَاحِبْ) .
الموضِعُ الرابِعُ: الفعلُ الواقعُ بعدَ إمَّا الشرطيَّةِ لم يُجِيزُوا إيلاءَهُ لإمَّا، وأجازوا إيلاءَ معمولِه لها، نحوُ قولِهِ تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} .
والغَرَضُ من القاعدةِ التي أَصْلُها هذا المستنَدُ: أنَّ الغالبَ والكثيرَ والأصلَ هو ألاَّ يَتَقَدَّمَ المعمولُ إلاَّ حيثُ يجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ العامِلُ فيه، فلا يَضُرُّ أنْ يجوزَ تقديمُ المعمولِ في بعضِ الأبوابِ لنُكْتَةٍ خاصَّةٍ به حيثُ لا يَتَقَدَّمَ عاملُه، ولكلِّ موضعٍ من المواضعِ الأربعةِ نُكتةٌ لا تَتَّسِعُ هذه العُجَالَةُ لِشَرْحِها.
(2) (ولا) نافيةٌ، (يَلِي) فعلٌ مضارعٌ، (العَامِلَ) مفعولٌ به لِيَلِي مُقَدَّمٌ على الفاعلِ، (معمولُ) فاعلُ يَلِي، ومعمولُ مضافٌ و (الخبرْ) مضافٌ إليه، (إلاَّ) أداةُ استثناءٍ، (إِذَا) ظرفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ من الزمانِ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (ظَرْفًا) حالٌ مُقَدَّمٌ على صاحبِه، وهو الضميرُ المستَتِرُ في أَتَى، (أَتَى) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جوازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على (معمولُ الخبرِ) السابقِ، (أو) حرفُ عطفٍ، (حرفَ) معطوفٌ على قولِه: (ظَرْفًا) ، وحرفَ مضافٌ و (جَرْ) مضافٌ إليه، وجملةُ (أَتَى) وفاعلِه في محلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، وهي فعلُ الشرطِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يُفْصِحُ عنه الكلامُ، وتَقْدِيرُهُ: فإنَّه يَلِيهِ، وهذه الجملةُ كلُّها في موضِعِ الاستثناءِ مِن مُسْتَثْنًى منه محذوفٍ، وهو عمومُ الأوقاتِ، وكأنه قالَ: لا يلي معمولَ الخبرِ العاملُ في وقتٍ ما من الأوقاتِ إلاَّ في وقتِ مجيئِه ظرفًا أو حرفَ جرٍّ.