الصفحة 191 من 811

يعني أنه لا يَجُوزُ أنْ يَلِيَ (كانَ) وأَخَوَاتِها معمولُ خبرِها الذي ليسَ بظرفٍ ولا جارٍّ ومجرورٍ، وهذا يَشْمَلُ حاليْنِ:

أحدُهما: أنْ يَتَقَدَّمَ معمولُ الخبرِ وحدَه على الاسمِ، ويكونَ الخبرُ مؤخَّرًا عن الاسمِ، نحوُ: (كانَ طَعَامَكَ زَيْدٌ آكِلًا) ، وهذه مُمْتَنِعَةٌ عندَ البَصْرِيِّينَ، وأَجَازَهَا الكُوفِيُّونَ.

الثاني: أنْ يَتَقَدَّمَ المعمولُ والخبرُ على الاسمِ، ويَتَقَدَّمَ المعمولُ على الخبرِ، نحوُ: (كانَ طَعَامَكَ آكِلًا زَيْدٌ) ، وهي مُمْتَنِعَةٌ عندَ سِيبَوَيْهِ، وأَجَازَهَا بعضُ البَصريِّينَ، ويَخْرُجُ من كلامِه أنه إذا تَقَدَّمَ الخبرُ والمعمولُ على الاسمِ وقُدِّمَ الخبرُ على المعمولِ جَازَتِ المسألةُ؛ لأنَّه لم يَلِ (كانَ) معمولُ خَبَرِها، فتقولُ: (كانَ آكِلًا طَعَامَكَ زيدٌ) ، ولا يَمْنَعُها البَصْرِيُّونَ.

فإنْ كانَ المعمولُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا جازَ إيلاؤُه (كانَ) عندَ البصريينَ والكُوفِيِّينَ، نحوُ: (كانَ عندَكَ زيدٌ مُقِيمًا، وكانَ فيكَ زيدٌ راغبًا) .

ومُضْمَرَ الشَّأْنِ اسْمًا انْوِ إِنْ وَقَعْ ... مُوهِمُ مَا اسْتَبَانَ أَنَّهُ امْتَنَعْ [1]

يعني: أنه إذا وَرَدَ مِن لسانِ العربِ ما ظَاهِرُه أنه وَلِيَ (كانَ) وأَخَوَاتِها معمولُ خبرِها فأَوِّلْهُ على أنَّ في (كانَ) ضميرًا مستترًا هو ضميرُ الشأنِ؛ وذلك نحوُ قولِهِ:

67 -قَنَافِذُ هَدَّاجُونَ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... بِمَا كَانَ إِيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا [2]

(1) (مُضْمَرَ) مفعولٌ به مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو قولُه: (انْوِ) الآتي، ومضمَرَ مضافٌ و (الشأنِ) مضافٌ إليه، (اسمًا) حالٌ مِن مضمَرَ، (انْوِ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (إنْ) شرطيَّةٌ، (وَقَعْ) فعلٌ ماضٍ فِعْلُ الشرطِ، مبنيٌّ على الفتحِ في محَلِّ جزمٍ، وسُكِّنَ للوقفِ، (مُوهِمُ) فاعلُ وَقَعْ، ومُوهِمُ مضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرٍّ، (اسْتَبَانَ) فعلٌ ماضٍ، (أنَّه) أنَّ حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والهاءُ ضميرُ الغائبِ اسمُها مبنيٌّ على الضمِّ في محَلِّ نصبٍ، (امْتَنَعْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جوازًا تَقْدِيرُهُ هو، والجملةُ من الفعلِ والفاعلِ في محَلِّ رفعِ خبرِ أنَّ، وأنَّ ومَعْمُولُهَا في تأويلِ مصدرٍ فاعلٌ لاسْتَبَانَ، وتَقْدِيرُهُ: استبانَ امتناعُه، وجملةُ (استبانَ) وفاعلِه لا محَلَّ لها من الإعرابِ؛ صلةُ الموصولِ.

وتقديرُ البيتِ: وانْوِ مُضْمَرَ الشأنِ حالَ كونِه اسمًا لكانَ إنْ وَقَعَ في بعضِ الكلامِ ما يُوهِمُ الأمرَ الذي تَبَيَّنَ امتناعُه، وهو إيلاءُ كانَ معمولَ خبرِها.

(2) البيتُ للفرزدقِ، من كَلِمَةٍ يَهْجُو فيها جَريرًا وعبدَ القَيْسِ، وهي مِن النقائِضِ بينَ جَرِيرٍ والفَرَزْدَقِ، وأَوَّلُها قولُه:

رَأَى عَبْدُ قَيْسٍ خَفْقَةً شَوَّرَتْ بِهَا ... يَدَا قَابِسٍ أَلْوَى بِهَا ثُمَّ أَخْمَدَا

اللغةُ: (قَنَافِذُ) جمعُ قُنْفُذٍ، وهو ـ بضمَّتَيْنِ بينَهما سكونٌ، أو بضمِّ القافِ وسكونِ النونِ وفتحِ الفاءِ، وآخرُه ذالٌ معجمةٌ أو دالٌ مهملةٌ ـ حيوانٌ يُضْرَبُ به المَثَلُ في السُّرَى، فيقالُ: هو أَسْرَى مِن القُنْفُذِ، وقالوا أيضًًا: (أَسْرَى مِن أَنْقَدَ) ، وأَنْقَدُ: اسمٌ للقُنْفُذِ، ولا يَنْصَرِفُ ولا تَدْخُلُه الألفُ واللامُ، كقولِهِ للأسدِ: أُسَامَةُ، وللذِّئْبِ: ذُؤَالَةُ. قالَه المَيْدَانِيُّ (1/ 239 الخيرية) ، ثمَّ قالَ: والقُنْفُذُ لا يَنامُ الليلَ، بل يَجُولُ ليلَه أَجْمَعَ. اهـ.

ويُقالُ في مَثَلٍ آخَرَ: (باتَ فلانٌ بليلِ أَنْقَدَ) ، وفي مَثَلٍ آخَرَ: (جَعَلُوا لَيْلَكُمْ لَيْلَ أَنْقَدَ) . وذَكَرَ مِثْلَه العَسْكَرِيُّ في (جَمْهَرَةِ الأمثالِ) (بهامشِ المَيْدَانِيِّ 2/ 7) ، (هَدَّاجُونَ) جمعُ هَدَّاجٍ، وهو صيغةُ مبالغةٍ من الهَدْجِ أو الهَدَجَانِ، والهَدَجَانُ ـ بفَتَحَاتٍ ـ ومثلُه الهَدْجُ ـ بفتحٍ فسكونٍ ـ مِشْيَةُ الشيخِ، أو مِشْيَةٌ فيها ارتعاشٌ، وبابُ فِعْلِه ضَرَبَ، ويُرْوَى (قَنَافِذُ دَرَّاجُونَ) ، والدَّارَّجُ: صيغةُ مبالغةٍ أيضًًا من (دَرَجَ الصبيُّ والشيخُ) من بابِ دَخَلَ، إذا سارَ سَيْرًا متقارِبَ الخَطْوِ، (عَطِيَّةُ) هو أبو جَرِيرٍ.

المعنى: يُرِيدُ وَصْفَهُم بأنهم خَوَنَةٌ فُجَّارٌ، يُشْبِهُونَ القنافِذَ حيثُ يَسِيرُونَ بالليلِ طَلَبًا للسرقةِ أو الدِّعارةِ والفَحْشَاءِ، وإنما السببُ عندَه في ذلك تعويدُ أَبِيهِم إيَّاهُم ذلكَ.

الإعرابُ: (قَنَافِذُ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ تَقْدِيرُهُ: هم قَنَافِذُ، وأصلُه: هم كالقَنَافِذِ، فحَذَفَ حرفَ التشبيهِ مبالغةً، (هَدَّاجُونَ) صفةٌ لقنافذُ، مرفوعٌ بالواوِ نيابةً عن الضمَّةِ؛ لأنَّه جمعُ مذكَّرٍ سالِمٌ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسمِ المفردِ، (حَوْلَ) ظرفُ مكانٍ متعلِّقٌ بهَدَّاجُونَ، وحولَ مضافٌ وبُيُوتِ من (بُيُوتِهِمْ) مضافٌ إليه، وبيوتِ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (بِمَا) الباءُ حرفُ جرٍّ، وما: يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ موصولًا اسْمِيًّا، والأحسنُ أنْ تكونَ موصولًا حَرْفِيًّا، (كانَ) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (إيَّاهُمْ) إيَّا: مفعولٌ مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو عَوَّدَ، وسَتَعْرِفُ ما فيه، وقولُه: (عَطِيَّةُ) اسمُ كانَ، (عَوَّدَا) : فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على عَطِيَّةُ، وجملةُ الفعلِ والفاعلِ في محلِّ نصبِ خبرِ (كانَ) .

وهذا الإعرابُ إنما هو بحَسَبِ الظاهرِ، وهو الذي يُعْرِبُ الكُوفِيُّونَ البيتَ عليه ويَسْتَدِلُّونَ به، وهو إعرابٌ غيرُ مَرْضِيٍّ عندَ جَمْهَرَةِ علماءِ النحوِ من البصريينَ، وسَتَعْرِفُ الإعرابَ المقبولَ عندَهم عندَ بيانِ الاستشهادِ بالبيتِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (بِمَا كانَ إيَّاهُم عطيَّةُ عَوَّدَا) ؛ حيثُ إنَّ ظاهِرَه يُوهِمُ أنَّ الشاعرَ قد قَدَّمَ معمولَ خبرِ كانَ، وهو (إيَّاهم) على اسمِها، وهو (عَطِيَّةُ) معَ تأخيرِ الخبرِ، وهو جملةُ (عَوَّدَا) عن الاسمِ أيضًًا، فلَزِمَ أنْ يَقَعَ معمولُ الخبرِ بعدَ الفعلِ ويَلِيَهُ، هذا هو ظاهرُ البيتِ.

والقولُ بجوازِ هذا الظاهرِ هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وهم يُعْرِبُونَ البيتَ على الوجهِ غيرِ المَرضيِّ الذي ذَكَرْنَاه في الإعرابِ، والبصريونَ يَأْبَوْنَ ذلك، ويَمْنَعُون أنْ يكونَ (عَطِيَّةُ) اسمَ كانَ، ولهم في البيتِ ثلاثةُ توجيهاتٍ:

أحدُها، وهو الذي ذَكَرَه الشارحُ العلاَّمَةُ تَبَعًا للمصنِّفِ: أنَّ اسمَ كانَ ضميرُ الشأنِ، وقولُه: (عَطِيَّةُ) مبتدأٌ، وجملةُ (عَوَّدَا) في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، وإيَّاهم مفعولٌ به لعَوَّدَ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في محلِّ نصبِ خبرِ كانَ، فلم يَتَقَدَّمْ معمولُ الخبرِ على الاسمِ؛ لأنَّ اسمَ كانَ مضمَرٌ عَقِبَ (كانَ) نفسِها، فهو الذي وَلِيَها، و (إيَّاهم) معمولٌ لخبرٍ مبتدأٌ، وعلى هذا ليسَ في البيتِ معمولٌ لخبرِ كانَ.

والتوجيهُ الثاني: أنَّ (كانَ) في البيتِ زائدةٌ، و (عَطِيَّةُ عَوَّدَا) مبتدأٌ وخَبَرٌ، وجملةُ المبتدأِ والخبرِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صلةُ الموصولِ، وهو (ما) ؛ أي: بالذي عطيَّةُ عَوَّدَهُمُوهُ.

والثالثُ: أنَّ اسمَ (كانَ) ضميرٌ مستترٌ يعودُ على (ما) الموصولةِ، وجملةُ عطيَّةُ عَوَّدَ من المبتدأِ والخبرِ في محلِّ نصبِ خبرِ كانَ، وجملةُ كانَ ومعمولَيْها لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ.

والعائدُ ـ على هذا التوجيهِ والذي قبلَه ـ محذوفٌ تَقْدِيرُهُ هنا: بما كانَ عطيَّةُ عَوَّدَهُمُوهُ.

والثالثُ: أنَّ اسمَ (كانَ) ضميرٌ مستترٌ يعودُ على (ما) الموصولةِ، وجملةُ عطيَّةُ عَوَّدَ من المبتدأِ والخبرِ في محلِّ نصبِ خبرِ كانَ، وجملةُ كانَ ومعمولَيْها لا محلَّ لها من الإعرابِ؛ صلةُ الموصولِ.

والعائدُ - على هذا التوجيهِ والذي قبلَه - محذوفٌ تَقْدِيرُهُ هنا: بما كانَ عطيَّةُ عَوَّدَهُمُوهُ.

ومنهم مَن يقولُ: هذا البيتُ من الضروراتِ التي تُباحُ للشاعرِ، ولا يجوزُ لأحدٍ من المتكلِّمينَ أنْ يَقِيسَ في كلامِه عليها.

قالَ المُحَقِّقُونَ من العلماءِ: والقولُ بالضرورةِ مُتَعَيِّنٌ في قَوْلِ الشاعرِ، ولم نَقِفْ على اسمِه:

باتَتْ فُؤَادِيَ ذاتُ الخَالِ سَالِبَةً ... فالعَيْشُ إنْ حُمَّ لي عَيْشٌ مِنَ العَجَبِ

فذاتُ الخالِ: اسمُ باتَ، وسالبةً: خبرُه، وفيه ضميرٌ مستترٌ هو فاعلُه يعودُ على ذاتُ الخالِ، وفؤادي: مفعولٌ به مُقَدَّمٌ على عاملِه الذي هو قولُه: سالبةً. وزَعَمُوا أنه لا يُمْكِنُ في هذا البيتِ أنْ يَجْرِيَ على إحدَى التوجيهاتِ السابقةِ، ومثلُه قولُ الآخَرِ:

لَئِنْ كانَ سَلْمَى الشَّيْبُ بالصَّدِّ مُغْرِيًا ... لقدْ هَوَّنَ السُّلْوَانَ عَنْهَا التَّحَلُّمُ

فالشيبُ: اسمُ كانَ، ومُغْرِيًا: خبرُه، وفيه ضميرٌ مستترٌ يعودُ على الشيبُ هو فاعلُه، وسلمَى مفعولٌ به لمُغْرِيًا تَقَدَّمَ على اسمِ كانَ، ولا تَتَأَتَّى فيها التوجيهاتُ السابقةُ.

ومن العلماءِ مَن خَرَّجَ هذين البيتيْنِ تخريجًا عَجِيبًا، فزَعَمَ أنَّ (فُؤَادِيَ) مُنَادًى بحرفِ نداءٍ محذوفٍ، وكذلك سَلْمَى، وكأنَّ الشاعرَ قد قالَ: باتَتْ يا فُؤَادِي ذاتُ الخالِ سالبةً إيَّاكُ، ولَئِنْ كانَ يا سَلْمَى الشيبُ مُغْرِيًا إيَّاكِ بالصدِّ، وجملةُ النداءِ في البيتيْنِ لا محلَّ لها من الإعرابِ معترضةً بينَ العاملِ ومعموليْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت