الصفحة 194 من 811

والتقديرُ في البيتِ الثاني: وليسَ هو؛ أي: الشأنُ، فضميرُ الشأنِ اسمُ ليسَ، وكلَّ النَّوَى منصوبٌ بتُلْقِي، وتُلْقِي المساكينُ فعلٌ وفاعلٌ، والمجموعُ خبرُ ليسَ. هذا بعضُ ما قِيلَ في البيتيْنِ.

وقد تُزادُ كانَ في حَشْوٍ: كَمَا ... كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا [1]

كانَ على ثلاثةِ أقسامٍ: أحدُها الناقِصَةُ، والثاني: التامَّةُ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُهما، والثالِثُ: الزائدةُ، وهي المقصودةُ بهذا البيتِ، وقد ذَكَرَ ابنُ عُصْفُورٍ أنها تُزادُ بينَ الشيئيْنِ المتلازميْنِ؛ كالمبتدأِ وخبرِه، نحوُ: (زيدٌ كانَ قائِمٌ) ، والفعلِ ومرفوعِه، نحوُ: (لم يُوجَدْ كانَ مِثْلُكَ) ، والصلةِ والموصولِ، نحوُ: (جاءَ الذي كانَ أَكْرَمْتُهُ) ، والصفةِ والموصوفِ، نحوُ: (مَرَرْتُ برجلٍ كانَ قائمٍ) .

وهذا يُفْهَمُ أيضًا من إطلاقِ قولِ المصنِّفِ: (وقد تُزادُ كانَ في حَشْوٍ) ، وإنما تَنْقَاسُ زِيادَتُها بينَ (ما) وفعلِ التعجُّبِ، نحوُ: (ما كانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَن تَقَدَّمَا) [2] ، ولا تُزادُ في غيرِه إلاَّ سَماعًا.

وقد سُمِعَتْ زِيَادَتُها بينَ الفعلِ ومرفوعِه؛ كقولِهِم [3] : وَلَدَتْ فاطمةُ بنتُ الخُرْشُبْ الأَنْمَارِيَّةُ الكمَلَةَ من بني عَبْسٍ، لم يُوجَدْ كانَ أفضلُ مِنهم. وقد سُمِعَ أيضًا زيادتُها بينَ الصفةِ والموصوفِ؛ كقولِهِ:

69 -فكيفَ إذا مَرَرْتُ بدارِ قَوْمٍ ... وجيرانٍ لَنَا كانُوا كِرَامِ [4]

(1) (وقدْ) حرفُ تقليلٍ، (تُزَادُ) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، (كانَ) قُصِدَ لفظُه: نائبُ فاعلِ تُزَادُ، (في حَشْوٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتُزَادُ، (كما) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، (ما) تَعَجُّبِيَّةٌ، وهي نكرةٌ تامَّةٌ مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ بها ما فيها من معنى التعجُّبِ، (كانَ) زائدةٌ، (أَصَحَّ) فعلٌ ماضٍ فعلُ تعجُّبٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على ما التعجبيَّةِ، (عِلْمَ) مفعولٌ به لأَصَحَّ، والجملةُ من الفعلِ والفاعلِ والمفعولِ في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، وعِلْمَ مضافٌ و (مَن) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه، (تَقَدَّمَا) تَقَدَّمَ: فعلٌ ماضٍ، والألفُ للإطلاقِ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى مَنِ الموصولةِ، والجملةُ مِن تَقَدَّمَ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ.

(2) ممَّا وَرَدَ مِن زِيَادَتِها بينَ (ما) التعجبيَّةِ وفعلِ التعجُّبِ قولُ الشاعِرِ:

لِلَّهِ دَرُّ أَنُو شَرْوَانَ مِنْ رَجُلٍ ... ما كانَ أَعْرَفَهُ بالدُّونِ والسَّفِلِ

ونظيرُه قولُ الحَمَاسِيِّ (انْظُرْ شَرْحَ التِّبْرِيزِيِّ 3/ 22 بتحقيقِنا) :

أبا خَالدٍ ما كانَ أَوْهَى مُصِيبَةً ... أصَابَتْ مَعَدًّا يومَ أَصْبَحْتَ ثَاوِيَا

وقولُ امرِئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ الكِنْدِيِّ (وهو الشاهدُ رَقْمُ 249) الآتي في هذا الكتابِ):

أَرَى أُمَّ عَمْرٍو دَمْعُهَا قَدْ تَحَدَّرَا ... بُكاءً على عمرٍو وما كانَ أَصْبَرَا

إذا قَدَّرْتَ الكلامَ: وما كانَ أَصْبَرَها. وقولُ عُرْوَةَ بنِ أُذَيْنَةَ:

ما كانَ أَحْسَنَ فِيكَ العَيْشَ مُؤْتَنِفًا ... غَضًّا وأَطْيَبَ في آصَالِكَ الأصُلاَ

(3) قائلُ هذا الكلامِ هو قَيْسُ بنُ غَالِبٍ، في فاطِمَةَ بنتِ الخُرْشُبِ، من بَنِي أَنْمَارِ بنِ بَغِيضِ بنِ رَيْثِ بنِ غَطَفَانَ، وأولادُها هم: أَنَسُ الفَوَارِسِ، وعمَارَةُ الوهابُ، وقَيْسُ الحُفَّاظِ، ورَبِيعٌ الكامِلُ، وأبوهم زِيادُ العَبْسِيُّ، وكانَ كلُّ واحدٍ منهم نادرةَ أقرانِه شجاعةً وبَسالةً ورِفْعَةَ شأنٍ.

(4) البيتُ للفرزدقِ، من قصيدةٍ له يَمْدَحُ فيها هِشامَ بنَ عبدِ الملكِ ـ وقيلَ: يَمْدَحُ سليمانَ بنَ عبدِ المَلِكِ ـ وقد أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ (ج 1 ص 189) ببعضِ تَغييرٍ.

الإعرابُ: (كيفَ) اسمُ استفهامٍ أُشْرِبَ معنَى التعجُّبِ، وهو مبنيٌّ على الفتحِ في محَلِّ نصبِ حالٍ مِن فاعلٍ هو ضميرٌ مستترٌ في فعلٍ محذوفٍ، وتقديرُ الكلامِ: كيفَ أكونُ، مَثَلًا، (إذا) ظرفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ من الزمانِ، (مَرَرْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، (بدارِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمَرَرْتُ، ودارِ مضافٌ و (قومٍ) مضافٌ إليه، (وجِيرانٍ) معطوفٌ على دارِ قومٍ، (لنا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صفةٌ لجيرانٍ، (كانوا) زائدةٌ ـ وسَتَعْرِفُ ما فيه ـ (كرامِ) صفةٌ لجيرانٍ مجرورٌ، وعلامةُ جَرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ في آخِرِهِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وجِيرَانٍ لنا كانوا كِرَامِ) حيثُ زِيدَتْ (كانوا) بينَ الصفةِ وهي قولُه: (كرامِ) ، والموصوفِ وهو قولُه: (جِيرَانٍ) ، وتقديرُ الكلامِ: وجيرانٍ كِرَامٍ لنا.

هذا مُقْتَضَى كلامِ الشارحِ العلاَّمَةِ، وهو ما ذَهَبَ إليه إمامُ النُّحاةِ سِيبَوَيْهِ، لكِنْ قالَ ابنُ هِشامٍ في توضيحِه: إنَّ شرطَ زيادةِ (كانَ) أنْ تكونَ وَحْدَهَا، فلا تُزَادُ معَ اسمِها. وأَنْكَرَ زيادَتَهَا في هذا البيتِ، وهو تابعٌ في هذا الكلامِ لأبي العبَّاسِ مُحَمَّدِ بنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ؛ فإنَّه منَعَ زيادةَ كانَ في هذا البيتِ، على زَعْمِه أنها إنما تُزادُ مفردةً لا اسمَ لها ولا خبرَ، وخرَّجَ هذا البيتَ على أنَّ قولَه: (لنا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ كانَ مُقَدَّمٌ عليها، وواوُ الجماعةِ المُتَّصِلَةُ بها اسمُها، وغايةُ ما في البابِ أنَّ الشاعرَ فَصَلَ بينَ الصفةِ ومَوْصُوفِها بجملةٍ كاملةٍ من كانَ واسمِها وخبرِها، وقَدَّمَ خبرَ كانَ على اسمِها، وتقديرُ الكلامِ على هذا: وجيرانٍ كرامٍ كانوا لنا.

والذي ذهَبَ إليه سِيبَوَيْهِ أَوْلَى بالرعايةِ؛ لأنَّ اتِّصَالَها باسمِها لا يَمْنَعُ من زيادَتِها، ألاَ تَرَى أنهم يُلْغُونَ (ظَنَنْتَ) متأخِّرَةً ومتوسِّطَةً، ولا يَمْنَعُهم إسنادُها إلى اسمِها مِن إلغائِها، ثمَّ المصيرُ إلى تقديمِ خبرِ (كانَ) عليها، والفصلُ بينَ الصفةِ وموصوفِها عُدُولٌ عمَّا هو أصلٌ إلى شيءٍِ غيرِه.

قالَ سِيبَوَيْهِ:(وقالَ الخليلُ: إنَّ مِن أَفْضَلِهِم كانَ زيدًا، على إلغاءِ كانَ. وشَبَّهَهُ بقولِ الشاعِرِ:

* وجِيرانٍ لنا كانوا كِرَامِ *)اهـ.

وقالَ الأعلَمُ: (الشاهدُ فيه إلغاءُ كانَ وزيادتُها توكيدًا وتبيينًا لمعنَى المُضِيِّ، والتقديرُ: جِيرَانٍ لنا كِرَامٍ كانوا كذلكَ) . اهـ.

هذا، ومن شواهدِ زيادةِ (كانَ) بينَ الصفةِ وموصوفِها ـ من غيرِ أنْ تكونَ متصلةً باسمِها ـ قولُ جابرٍ الكِلاَبِيِّ (وانْظُرْ مُعْجَمَ البُلدانِ مادَّةَ كتيفة) :

وماؤُكُمَا العَذْبُ الذي لو شَرِبْتُهُ ... شِفَاءٌ لِنَفْسٍ كانَ طَالَ اعْتِلاَلُهَا

فإنَّ جملةَ (طالَ اعتلالُها) في محَلِّ جرِّ صفةٍ لنَفْسٍ، وقد زادَ بينَهما (كانَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت