فهرس الكتاب
الثالثُ: ألاَّ يَتَقَدَّمَ خبرُها على اسمِها، وهو غيرُ ظرفٍ ولا جارٍّ ومجرورٍ، فإنْ تَقَدَّمَ وَجَبَ رفعُه، نحوُ: (ما قائمٌ زيدٌ) ، فلا تقولُ: (ما قائمًا زيدٌ) ، وفي ذلك خلافٌ [1] .
فإنْ كانَ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا فقَدَّمْتَه فقلتَ: (ما في الدارِ زيدٌ) ، و (ما عندَك عمرٌو) فاخْتَلَفَ الناسُ في (ما) حينَئذٍ هل هي عاملةٌ أم لا؟ فمَن جَعَلَها عاملةً قالَ: إنَّ الظرفَ والجارَّ والمجرورَ في موضعِ نصبٍ بها، ومَن لم يَجْعَلْهَا عاملةً قالَ: إنهما في موضِعِ رفعٍ على أنهما خبرانِ للمبتدأِ الذي بعدَهما. وهذا الثاني هو ظاهِرُ كلامِ المصنِّفِ؛ فإنَّه شَرَطَ في إعمالِها أنْ يكونَ المبتدأُ والخبرُ بعدَ (ما) على الترتيبِ الذي زُكِنَ، وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (وترتيبٍ زُكِنْ) ؛ أي: عُلِمَ، ويعني به أنْ يكونَ المبتدأُ مقدَّمًا والخبرُ مؤخَّرًا، ومقتضاه أنه متى تَقَدَّمَ الخبرُ لا تَعْمَلُ ما شيئًا، سواءٌ كانَ الخبرُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، أو غيرَ ذلكَ، وقد صَرَّحَ بهذا في غيرِ هذا الكتابِ.
الشرطُ الرابعُ: ألاَّ يَتَقَدَّمَ معمولُ الخبرِ على الاسمِ وهو غيرُ ظرفٍ ولا جارٍّ ومجرورٍ، فإنْ تَقَدَّمَ بَطَلَ عَمَلُها، نحوُ: (ما طعامَكَ زيدٌ آكِلٌ) ، فلا يَجُوزُ نصبُ (آكِلٌ) ، ومَن أجازَ بقاءَ العملِ معَ تقدُّمِ الخبرِ يُجِيزُ بقاءَ العملِ معَ تقدُّمِ المعمولِ بطريقِ الأَوْلَى؛ لِتَأَخُّرِ الخبرِ.
وقد يُقالُ: لا يَلْزَمُ ذلكَ؛ لِمَا في الإعمالِ معَ تقدُّمِ المعمولِ مِن الفصلِ بينَ الحرفِ ومعمولِه، وهذا غيرُ موجودٍ معَ تقدُّمِ الخبرِ، فإنْ كانَ المعمولُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا لم يَبْطُلْ عملُها، نحوُ: (ما عندَك زيدٌ مُقيمًا، وما بي أنتَ مَعْنِيًّا) ؛ لأنَّ الظروفَ
(1) ذَهَبَ بعضُ النُّحاةِ إلى أنه يَجُوزُ إعمالُ ما إعمالَ ليسَ معَ تقدُّمِ خبرِها على اسمِها، واسْتَدَلَّ على ذلك بقولِ الفَرَزْدَقِ:
فأَصْبَحُوا قدْ أَعَادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ ... إذ هُمْ قُرَيْشٌ وإذ ما مِثْلَهُم بَشَرُ
قالوا: ما نافيةٌ عاملةٌ عَمَلَ ليسَ، ومثلَ: خَبَرُها مُقَدَّمٌ منصوبٌ، والضميرُ مضافٌ إليه، وبَشَرُ: اسمُها تَأَخَّرَ عن خَبَرِها، وزَعَمُوا أنَّ الروايةَ بنصبِ مِثْلَ.
والجمهورُ يَأْبَوْنَ ذلك، ولا يُقِرُّونَ هذا الاستشهادَ، ولهم في الردِّ على هذا البيتِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
الأوَّلُ: إنكارُ أنَّ الروايةَ بنَصْبِ مثلَ، بل الروايةُ عندَهم برفعِه على أنه خبرٌ مُقَدَّمٌ، وبَشَرُ: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ.
والثاني: أنه على فَرْضِ تسليمِ نَصْبِ (مثلَ) فإنَّ الشاعرَ قد أَخْطَأَ في هذا، والسرُّ في ذلك الخَطَأِ أنه تَمِيمِيٌّ، وأرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ بلغةِ أهلِ الحِجازِ، فلم يَعْرِفْ أنهم لا يُعْمِلُونَ (ما) إذا تَقَدَّمَ الخبرُ على الاسمِ، ولعلَّه وَجَدَ خبرَ ليسَ قد جاءَ مُتَقَدِّمًا على اسمِها، فتَوَهَّمَ أنَّ ما ـ لكونِها بمعنى ليسَ ـ تُعْطَى حُكْمَها، ولم يَلْتَفِتْ إلى أن (ما) فَرْعٌ عن ليسَ في العملِ، وأنَّ الفرعَ ليسَ في قوةِ الأصلِ.
والثالثُ: سَلَّمْنَا أنَّ الروايةَ كما يَذْكُرُونَ، وأنَّ الشاعرَ لم يُخْطِئْ، ولكِنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ (مثلَ) منصوبٌ، بل هو مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعِ خبرِ مُقَدَّمٍ، وبَشَرُ: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، وإنما بُنِيَتْ (مثلَ) ؛ لأنَّها اكتَسَبَتِ البناءَ من المضافِ إليه، وجازَ ذلك البناءُ ولم يَجِبْ.
ولهذا شواهِدُ كثيرةٌ، منها قولُه تعالى: {إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} ، فـ (مثلَ) في هذه الآيةِ الكريمةِ صفةٌ لحَقٌّ، معَ أنَّ حقًّا مرفوعٌ، ومثلَ مفتوحٌ، فوَجَبَ أنْ يكونَ مبنيًّا على الفتحِ في مَحَلِّ رَفْعٍ.