فهرس الكتاب
والمجروراتِ يُتَوَسَّعُ فيها ما لا يُتَوَسَّعُ في غيرِها، وهذا الشرطُ مفهومٌ مِن كلامِ المصنِّفِ؛ لتخصيصِه جوازَ تقديمِ معمولِ الخبرِ بما إذا كانَ المعمولُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا.
الشرطُ الخامِسُ: ألاَّ تَتَكَرَّرَ (ما) ، فإنْ تَكَرَّرَتْ بَطَلَ عَمَلُها، نحوُ: (ما ما زيدٌ قائمٌ) ، فالأُولَى نافيةٌ والثانيةُ نَفَتِ النفيَ، فبَقِيَ إثباتًا، فلا يَجُوزُ نصبُ قائمٌ، وأجازَه بعضُهم [1] .
الشرطُ السادِسُ: ألاَّ يُبْدَلَ مِن خَبَرِها مُوجَبٌ، فإنْ أُبْدِلَ بَطَلَ عَمَلُها، نحوُ: (ما زيدٌ بشيءٍ إلاَّ شيءٌ لا يُعْبَأُ به) ، فبشيءٍ في موضِعِ رفعِ خبرٍ عن المبتدأِ الذي هو (زيدٌ) ، ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ في موضِعِ نصبٍ خبرًا عن (ما) ، وأجازَه قومٌ، وكلامُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ تعالى في هذه المسألةِ محتمِلٌ للقوليْنِ المذكوريْنِ، أعني القولَ باشتراطِ ألاَّ يُبْدَلَ مِن خَبَرِها موجَبٌ، والقولَ بعدمِ اشتراطِ ذلكَ؛ فإنَّه قالَ بعدَ ذِكْرِ المثالِ المذكورِ - وهو (ما زيدٌ بشيءٍ ... إلى آخِره) : (اسْتَوَتِ اللغتانِ) . يعني: لغةُ الحجازِ ولغةُ تَمِيمٍ.
واخْتَلَفَ شُرَّاحُ (الكتابِ) فيما يَرْجِعُ إليه قولُه: (اسْتَوَتِ اللغتانِ) :
فقالَ قومٌ: هو راجِعٌ إلى الاسمِ الواقعِ قبلَ (إلا) ، والمرادُ: أنه لا عَمَلَ لـ (ما) فيه، فاستوتِ اللغتانِ في أنه مرفوعٌ. وهؤلاء هم الذين شَرَطُوا في إعمالِ (ما) ألاَّ يُبْدَلَ مِن خَبَرِها موجَبٌ.
وقالَ قومٌ: هو راجِعٌ إلى الاسمِ الواقعِ بعدَ إلاَّ، والمرادُ أنه يكونُ مرفوعًا [2] ، سواءٌ جُعِلَتْ ما حِجَازِيَّةً أو تَمِيمِيَّةً، وهؤلاء هم الذين لم يَشْتَرِطُوا في إعمالِ (ما) ألاَّ يُبْدَلَ مِن خَبَرِها موجَبٌ. وتوجيهُ كلٍّ مِن القوليْنِ وترجيحُ المختارِ مِنهما، وهو الثاني - لا يَلِيقُ بهذا المُخْتَصَرِ.
(1) إذا رَأَيْتَ (ما) متكررةً في كلامٍ، فالثانيةُ: إما أنْ تكونَ نافيةً لنفيِ الأُولَى، وإما أنْ تكونَ نافيةً مؤكِّدَةً لنفيِ الأُولَى، وإما أنْ تكونَ زائدةً.
فإذا كانَتِ الثانيةُ نافيةً لنفيِ الأُولى صارَ الكلامُ إثباتًا؛ لأنَّ نفيَ النفيِ إثباتٌ، ووَجَبَ إهمالُهما جميعًا، وإذا كانَتِ الثانيةُ زائدةً وَجَبَ إهمالُ الأُولى أيضًًا عندَ مَن يُهْمِلُ (ما) إذا اقْتَرَنَتْ بها (إنِ) الزائدةُ، وإنْ كانَتْ (ما) الأُولى نافيةً والثانيةُ مؤكدةً لنفيِ الأُولى جازَ لكَ حينَئذٍ الإعمالُ، وعلى هذا وَرَدَ قولُ الرَّاجِزِ:
لا يُنْسِكَ الأَسَى تَأَسِّيًا فَمَا ... ما مِن حِمَامٍ أَحَدٌ مُسْتَعْصِمَا
فما الأُولى هنا: نافيةٌ، والثانيةُ مؤكِّدَةٌ لها، وأحدٌ: اسْمُها، ومستعصِمًا، خَبَرُها، ومِن حمامٍ: جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمُسْتَعْصِمٍ، وأصلُ الكلامِ: فما أحدٌ مُسْتَعْصِمًا مِن حِمَامٍ.
وبعدُ، فإنَّه يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ كلامُ مَن أجازَ إعمالَ (ما) عندَ تَكَرُّرِها على أنه اعْتَبَرَ الثانيةَ مؤكِّدَةً لنفيِ الأولى، وكلامُ مَن أَبْطَلَ العملَ عندَ تَكرارِ (ما) على أنَّ الثانيةَ نافيةٌ لنفيِ الأُولى، كما قالَ الشارحُ، فيكونُ الخلافُ في هذا الموضوعِ غيرَ حقيقيٍّ.
(2) ظاهِرُ هذا الكلامِ ليسَ بسَدِيدٍ، بل يَجُوزُ في (شَيْءٍ) الواقِعِ بعدَ (إلاَّ) الرفعُ والنصبُ، أمَّا النصبُ فعلى أحدِ وجهيْنِ:
الأوَّلُ: الاستثناءُ، سواءٌ أَعْمَلْتَ ما أم أَهْمَلْتَها.
الثاني: على أنه بَدَلٌ مِن شيءٍ المجرورِ بالباءِ الزائدةِ بشرطِ أنْ تكونَ ما عَامِلَةً، وأما الرفعُ فعلى أحدِ وجهيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ خبرُ المبتدأِ محذوفًا، وكأنه قيلَ: إلا هو شيءٌ لا يُعْبَأُ به، ولا فرقَ على هذا الوجهِ بينَ أنْ تكونَ ما عاملةً أو مهمَلَةً.
والثاني: أنْ يكونَ بَدَلًا مِن شيءٍ الأوَّلِ، بشرطِ أنْ تكونَ ما مهملةً.