فهرس الكتاب
ورَفْعَ معطوفٍ بلَكِنْ أوْ بِبَلْ مِن بعدِ منصوبٍ بِمَا الْزَمْ حَيْثُ حَلْ [1]
إذا وَقَعَ بعدَ خَبَرِ (ما) عاطِفٌ فلا يَخْلُو إمَّا أنْ يكونَ مُقْتَضِيًا للإيجابِ أو لا؛ فإنْ كانَ مُقْتَضِيًا للإيجابِ تَعَيَّنَ رفعُ الاسمِ الواقعِ بعدَه، وذلك نحوُ: (بلْ ولكِنْ) ، فتقولُ: (ما زيدٌ قائمًا لكن قاعدٌ) ، أو (بل قاعدٌ) فيَجِبُ رفعُ الاسمِ على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: (لكِنْ هو قاعدٌ، وبل هو قاعدٌ) ، ولا يَجُوزُ نصبُ قاعدٌ عطفًا على خبرِ (ما) ؛ لأنَّ (ما) لا تَعْمَلُ في الموجَبِ.
وإنْ كانَ الحرفُ العاطفُ غيرَ مُقْتَضٍ للإيجابِ، كالواوِ ونحوِها - جازَ النصبُ والرفعُ، والمختارُ النصبُ، نحوُ: (ما زيدٌ قائمًا ولا قاعدًا) ، ويَجُوزُ الرفعُ فتقولُ: (ولا قاعدٌ) ، وهو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: (ولا هو قاعدٌ) ، ففُهِم مِن تخصيصِ المصنِّفِ وجوبَ الرفعِ بما إذا وَقَعَ الاسمُ بعدَ (بلْ ولكنْ) أنه لا يَجِبُ الرفعُ بعدَ غَيْرِهما.
وبعدَ ما وليسَ جَرَّ البا الخَبَرْ ... وبعدَ لا ونَفْيِ كانَ قد يُجَرْ [2]
تُزادُ الباءُ كثيرًا في الخبرِ بعدَ ليسَ وما، نحوُ قولِه تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} ، و: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} ، و: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} ، و: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} ، ولا تَخْتَصُّ زيادةُ الباءِ بعدَ (ما) بكونِها حِجَازِيَّةً؛ خِلافًا لقومٍ، بل تُزَادُ بعدَها وبعدَ التمِيمِيَّةِ، وقد نَقَلَ سِيبَوَيْهِ والفَرَّاءُ رَحِمَهُما اللهُ تعالى زيادةَ الباءِ بعدَ (ما) عن بَنِي تَمِيمٍ، فلا الْتِفَاتَ إلى مَن مَنَعَ ذلك، وهو موجودٌ في أشعارِهِم [3] .
(1) (ورَفْعَ) مفعولٌ به مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو قولُه: (الْزَم) الآتي، ورَفْعَ مضافٌ و (معطوفٍ) مضافٌ إليه، (بلَكِنْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمعطوفٍ، (أو ببلْ) معطوفٌ على قولِه: (بلَكِن) السابقِ، (مِن بعدِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ برَفْعَ، وبعدِ مضافٌ و (منصوبٍ) مضافٌ إليه، (بِمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمنصوبٍ، (الْزَمْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (حَيْثُ) ظرفٌ متعلِّقٌ بالْزَمْ، مبنيٌّ على الضمِّ في محَلِّ نصبٍ، (حَلْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تَقْدِيرُهُ هو، والجملةُ من حلَّ وفاعلِهِ في محلِّ جرٍّ بإضافةِ (حيثُ) إليها.
(2) (وبعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بقولِه: (جَرَّ) الآتي، وبعدَ مضافٌ و (ما) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (ولَيْسَ) قصِدَ لفظُه أيضًًا: معطوفٌ على ما، (جَرَّ) فعلٌ ماضٍ، (الْبَا) قُصِرَ للضرورةِ: فاعلُ جَرَّ، (الخَبَرْ) مفعولٌ به لجَرَّ، (وبعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بقولِهِ: (يُجَر) الآتي، وبعدَ مضافٌ و (لا) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (ونفيِ) معطوفٌ على لا، ونفيِ مضافٌ و (كانَ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (قدْ) حرفُ تقليلٍ، (يُجَرْ) فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى (الخَبَرْ) .
(3) مِن ذلك قولُ الفرزدقِ يَمْدَحُ مَعْنَ بنَ أَوْسٍ، والفرزدقُ تَمِيمِيٌّ كما قُلنا لكَ آنِفًا (305) :
لَعَمْرُكَ مَا مَعْنٌ بِتَارِكِ حَقِّهِ ... ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ
ثم إنَّ الباءَ قد دَخَلَتْ في خبرِ (ما) غيرِ العاملةِ بسببِ فُقدانِ شرطٍ من شروطِ عَمَلِها، وذلك كما في قولِ المُتَنَخِّلِ الهُذَلِيِّ:
لَعَمْرُكَ ما إنْ أَبُو مَالِكٍ ... بِوَاهٍ ولا بضعيفٍ قُوَاهْ
فأَبُو مالكٍ: مبتدأٌ، ولا عَمَلَ لـ (ما) فيه؛ لكونِه قد جاءَ مسبوقًا بإنِ الزائدةِ بعدَ ما، وقد أَدْخَلَ الباءَ في خبرِ هذا المبتدأِ ـ وهو قولُه: (بِوَاهٍ) ـ فدَلَّ ذلك على أنَّ كونَ (ما) عاملةً أو حِجازيَّةً ليسَ بشرطٍ لدخولِ الباءِ على خبرِها.