الصفحة 207 من 811

وقد اضْطَرَبَ رأيُ الفارِسِيِّ في ذلكَ؛ فمَرَّةً قالَ: لا تُزادُ الباءُ إلاَّ بعدَ الحِجَازِيَّةِ. ومَرَّةً قالَ: تُزادُ في الخبرِ المنفيِّ. وقد وَرَدَتْ زيادةُ الباءِ قليلًا في خبرِ (لا) ؛ كقولِهِ:

76 -فَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لاَ ذُو شَفَاعَةٍ ... بِمُغْنٍ فَتِيلًا عَنْ سَوَادِ بنِ قَارِبِ [1]

وفي خبرِ مضارِعِ (كانَ) المنفيَّةِ بـ (لم) ؛ كقولِهِ:

77 -وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أَكُنْ ... بأَعْجَلِهِمْ إِذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ [2]

(1) البيتُ لِسَوَادِ بنِ قارِبٍ الأَسدِيِّ الدَّوْسيِّ ـ يُخَاطِبُ فيه رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبلَه قولُه:

فأَشْهَدُ أنَّ اللهَ لا شيءَ غَيْرُهُ ... وأنَّكَ مأمونٌ على كلِّ غائِبِ

وأنَّكَ أَدْنَى المُرْسَلِينَ وَسِيلَةً ... إلى اللهِ يا ابنَ الأَكْرَمِينَ الأَطَايِبِ

فمُرْنَا بِما يَأْتِيكَ يا خَيْرَ مُرْسَلٍ ... وإنْ كانَ فيما جِئْتَ شَيْبُ الذوائبِ

اللغةُ: (فَتيلًا) هو الخَيْطُ الرقيقُ الذي يكونُ في شَقِّ النَّوَاةِ.

الإعرابُ: (فكُنْ) فعلُ أمرٍ ناقصٌ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (لي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (شَفِيعًا) الآتي، (شفيعًا) خبرُ كانَ، (يومَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ، ناصِبُه قولُه: شفيعًا، (لا) نافيةٌ تَعْمَلُ عملَ ليسَ، (ذو) اسمُها مرفوعٌ بالواوِ نيابةً عن الضمَّةِ، وذو مضافٌ، و (شفاعةٍ) مضافٌ إليه، (بمُغْنٍ) الباءُ زائدةٌ، مُغْنٍ: خبرُ لا، وهو اسمُ فاعلٍ ـ فِعْلُه مُتَعَدٍّ ـ يَرْفَعُ فاعلًا وينصِبُ مفعولًا، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، و (فتيلًا) مفعولُه، (عن سَوَادِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمُغْنٍ، (ابنِ) صفةٌ لسَوَادِ، وابنِ مضافٌ و (قارِبِ) مضافٌ إليه.

الشاهدُ فيه: قولُه: (بمُغْنٍ) ؛ حيثُ أَدْخَلَ الباءَ الزائدةَ على خبرِ لا النافيةِ كما تَدْخُلُ على خبرِ ليسَ وعلى خبرِ ما.

(2) البيتُ للشَّنْفَرَى الأَزْدِيِّ، وأكثرُ الرواةِ على أنَّ اسمَه هو لَقَبُه، والبيتُ مِن قَصيدتِه المشهورةِ بينَ المتأدِّبِينَ باسمِ (لاَمِيَّةِ العربِ) وأَوَّلُها قولُه:

أَقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُمْ ... فَإِنِّي إِلَى قَوْمٍ سِوَاكُمْ لأَمْيَلُ

اللغةُ: (أَقِيمُوا صُدُورَ مَطِيِّكُمْ) هذه كنايةٌ عن طلبِ الاستعدادِ لعظائمِ الأمورِ، والجِدِّ في طلبِ المعالي، يقولُ: جِدُّوا في أمرِكم وانْتَبِهُوا مِن رَقْدَتِكُم، (فَإِنِّي إلى قَوْمٍ سِوَاكُمْ ... إلخ) يُؤْذِنُ قومَه بأنه مُرْتَحِلٌ عنهم ومُفَارِقُهم، وكأنه يقولُ: إنَّ غَفْلَتَكُم تُوجِبُ الارْتِحَالَ عنكم، وإنَّ ما أُعَايِنُ مِن تَرَاخِيكُم وإقرارِكُم بالضَّيْمِ لخَلِيقٌ بأنْ يُزَهِّدَنِي في البَقاءِ بينَكم، (أَجْشَعُ القومِ) الجَشَعُ ـ بالتحريكِ ـ أشَدُّ الطمَعِ، (أَعْجَلُ) هو صفةٌ مشبَّهَةٌ بمعنى عَجِلٌ، وليسَ أفعلَ تَفْضِيلٍ؛ لأنَّ المعنى يَأْبَاهُ؛ إذ ليسَ مُرَادُه أنَّ الأشدَّ عَجَلَةً هو الجَشِعُ، ولكِنَّ غَرَضَه أنْ يقولَ: إنَّ مَن يَحْدُثُ منه مجرَّدُ العجَلَةِ إلى الطعامِ هو الجَشِعُ. فافْهَمْ ذلك.

الإعرابُ: (إنْ) شرطيَّةٌ، (مُدَّت) مُدَّ: فعلٌ ماضٍ فعلُ الشرطِ، مبنيٌّ للمجهولِ، مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ جَزْمٍ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (الأَيْدِي) نائبُ فاعلٍ لِمُدَّ، (إلى الزادِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (مُدَّت) السابِقِ، (لم) حرفُ نفيٍ وجزمٍ وقلبٍ، (أَكُنْ) فعلٌ مضارعٌ ناقصٌ، وهو جوابُ الشرطِ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (بِأَعْجَلِهِم) الباءُ زائدةٌ، أَعْجَلِ: خبرُ أَكُنْ، منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرَةٍ على آخِرِه، مَنَعَ مِن ظُهُورِهَا اشتغالُ المَحَلِّ بحركةِ حرفِ الجرِّ الزائدِ، وأَعْجَلِ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (إِذْ) كَلِمَةٌ دالَّةٌ على التعليلِ، قيلَ: هي حينَئذٍ حَرْفٌ، وقيلَ: هي ظرفٌ، وعليه فهو متعلِّقٌ بقولِهِ: (أَعْجَلِ) السابِقِ، و (أَجْشَعُ) مبتدأٌ، وأجْشَعُ مضافٌ و (القومِ) مضافٌ إليه، (أَعْجَلُ) خبرُ المبتدأِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (بِأَعْجَلِهِمْ) ؛ حيثُ أَدْخَلَ الباءَ الزائدةَ على خبرِ مضارِعِ كانَ المنفيِّ بلم.

واستشهادُ الشارحِ بهذا البيتِ يَدُلُّ على أنه فَهِمَ أنَّ مرادَ المصنِّفِ بقولِهِ: (نفيِ كانَ) نفيُ هذه المادَّةِ أعمُّ أنْ تكونَ بلفظِ الماضي أو بلفظِ المضارعِ. وأعمُّ من هذه العبارةِ التي في الألفيَّةِ قولُ المصنِّفِ في كتابِه (التسهيلِ) : (وبعدَ نَفْيِ فعلٍ ناسخٍ) ؛ لأنَّ الفعلَ الناسخَ يَشْمَلُ كانَ وأَخَوَاتِها، وظَنَّ وأخواتِها، بأيِّ صيغةٍ كانَتْ هذه الأفعالُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت