الصفحة 208 من 811

في النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ (لا) ... وقد تَلِي (لاتَ) و (إنْ) ذا العَمَلاَ [1] وما لـ (لاَتَ) في سِوَى حِينٍ عَمَلْ ... وحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ فَشَا وَالْعَكْسُ قَلْ [2]

تَقَدَّمَ أنَّ الحروفَ العاملةَ عَمَلَ (ليسَ) أربعةٌ، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ على (ما) ، وذَكَرَ هنا (لا) و (لاتَ) و (إنْ) . أمَّا (لا) فمَذْهَبُ الحِجازِيِّينَ إِعْمَالُها عَمَلَ (ليسَ) ، ومذهَبُ تَمِيمٍ إهمالُها [3] ، ولا تَعْمَلُ عندَ الحِجَازِيِّينَ إلاَّ بشروطٍ ثلاثةٍ [4] : أحدُها: أنْ يكونَ الاسمُ والخبرُ نَكِرَتَيْنِ، نحوُ: (لا رَجُلٌ أفضلَ مِنْكَ) ، ومنه قولُه:

78 -تَعَزَّ فلا شَيْءٌ على الأرضِ بَاقِيَا ... ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَاقِيَا [5]

(1) (في النَّكِرَاتِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (أُعْمِلَت) الآتي، (أُعْمِلَتْ) أُعْمِلَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والتاءُ للتأنيثِ، (كَلَيْسَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن (لا) ، أو صفةٍ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقديرُ: إِعْمالًا مُمَاثِلًا إعمالَ ليسَ، (لا) قُصِدَ لفظُه: نائبُ فاعلِ أُعْمِلَتْ، (وقدْ) حرفُ تقليلٍ، (تَلِي) فعلٌ مضارِعٌ، (لاَتَ) فاعلُ تَلِي، (وإنْ) معطوفٌ على لاتَ، (ذَا) اسمُ إشارةٍ مفعولٌ به لِتَلِي، (الْعَمَلاَ) بَدَلٌ أو عَطْفُ بيانٍ أو نَعْتٌ لاسمِ الإشارةِ.

وتقديرُ البيتِ: أُعْمِلَتْ في النكراتِ (لا) إعمالًا مُماثلًا لإعمالِ ليسَ، وقد تَلِي لاتَ وإنْ هذا العَمَلَ.

(2) (ما) نافيةٌ، (للاَتَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (فِي سِوَى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: عَمَل الآتي، و (سِوَى) مُضافٌ، و (حِينٍ) مضافٌ إليه، (عَمَلْ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (وَحَذْفُ) مبتدأٌ، وحذفُ مضافٌ و (ذِي) بمعنى صاحِبٍ: مضافٌ إليه، وذي مضافٌ و (الرَّفْعِ) مضافٌ إليه، (فَشَا) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى (حَذْفُ ذي الرفعِ) ، والجملةُ في محَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، (والعَكْسُ) مبتدأٌ، (قَلْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى العَكْسُ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو (العَكْسُ) .

وتقديرُ البيتِ: وما للاتَ عَمَلٌ في غيرِ لفظِ حِينٍ، وما كانَ بمعناه، وحَذْفُ صاحبِ الرفعِ مِن مَعْمُولَيْهَا معَ بقاءِ المنصوبِ فاشٍ كثيرٌ، والعكسُ ـ وهو حذفُ المنصوبِ وإبقاءُ المرفوعِ ـ قليلٌ.

(3) قالَ أبو حَيَّانَ: (لم يُصَرِّحْ أحدٌ بأنَّ إعمالَ لا عَمَلَ ليسَ بالنسبةِ إلى لغةٍ مخصوصةٍ إلاَّ صاحِبُ المغرِبِ ناصرٌ المُطَرِّزِيُّ؛ فإنَّه قالَ فيه: بنو تَمِيمٍ يُهْمِلُونَها، وغيرُهم يُعْمِلُها، وفي كلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أهلُ الحجازِ يُعْمِلُونَها دونَ طَيِّئٍ، وفي البسيطِ: القياسُ عندَ تميمٍ عَدَمُ إعمالِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونوا وَافَقُوا أهلَ الحِجازِ على إعمالِها. وانْظُرْ هذا معَ كلامِ الشارِحِ.

(4) وبَقِيَ من شروطِ إعمالِ (لا) عَمَلَ ليسَ شرطانِ:

أوَّلُهما: ألاَّ تكونَ لنفيِ الجنسِ نَصًّا، فإنْ كانَتْ لنفيِ الجنسِ نَصًّا عَمِلَتْ عَمَلَ إنَّ المُؤَكِّدَةِ التي تَنْصِبُ الاسمَ وتَرْفَعُ الخبرَ، وبُنِيَ اسمُها حينَئذٍ على الفتحِ إنْ لم يَكُنْ مُضافًا ولا شَبيهًا به.

والشرطُ الثاني: ألاَّ يَتَقَدَّمَ معمولُ الخبرِ على اسْمِها، فإنْ تَقَدَّمَ نَحْوُ: (لا عندَكَ رجلٌ مُقِيمٌ ولا امرأةٌ) أُهْمِلَتْ.

(5) هذا البيتُ مِن الشواهدِ التي لم يَذْكُروا لها قائلًا مُعَيَّنًا.

اللغةُ: (تَعَزَّ) أمرٌ مِن التَّعَزِّي، وأصلُه مِن العَزَاءِ، وهو التصبُّرُ والتَّسَلِّي على المصائِبِ، (وَزَرٌ) هو المَلْجَأُ، والواقِي، والحافِظُ، (واقيًا) اسمُ فاعلٍ من الوِقايةِ، وهي الرعايةُ والحِفْظُ.

المعنى: اصْبِرْ على ما أَصَابَكَ، وتَسَلَّ عنه؛ فإنَّه لا يَبْقَى على وجهِ الأرضِ شيءٌ، وليسَ للإنسانِ مَلْجَأٌ يَقِيهِ ويَحْفَظُه مِمَّا قَضَاهُ اللهُ تعالى.

الإعرابُ: (تَعَزَّ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (فلا) الفاءُ تعليليَّةٌ، ولا: نافيةٌ تَعْمَلُ عَمَلَ ليسَ، (شيءٌ) اسْمُها، (على الأرضِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (بَاقِيًا) الآتِي، ويجوزُ أنْ يكونَ مُتَعَلِّقًا بمحذوفٍ صفةٍ لشيءٌ، (باقيَا) خبرُ لا، (ولا) نافيةٌ، (وَزَرٌ) اسْمُها، (مِمَّا) من: حرفُ جرٍّ، وما: اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرٍّ بِمِن، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقَوْلِهِ: (وَاقِيَا) الآتي، (قَضَى اللهُ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ، والعائدُ محذوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِمَّا قَضَاهُ اللهُ، و (واقِيَا) خبرُ لا.

الشاهدُ فيه: قولُه: (لا شَيْءٌ بَاقِيَا، ولا وَزَرٌ وَاقِيَا) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (لا) في الموضعيْنِ عَمَلَ ليسَ واسْمُها وخبرُها نَكِرتانِ.

هذا، وقد ذهَبَ أبو الحسنِ الأَخْفَشُ إلى أنَّ (لا) ليسَ لها عَمَلٌ أصلًا، لا في الاسمِ ولا في الخبرِ، وأنَّ ما بعدَها مبتدأٌ وخبرٌ، وذَهَبَ الزَّجَّاجُ إلى أنَّ (لا) تَعْمَلُ الرفعَ في الاسمِ، ولا تَعْمَلُ شيئًا في الخبرِ، والخبرُ بَعْدَها لا يكونُ مذكورًا أبدًا.

وكلا المذهبيْنِ فاسدٌ، وبيتُ الشاهدِ رَدٌّ عليهما جميعًا؛ فالخبرُ مذكورٌ فيه، فكانَ ذِكْرُه رَدًّا لِمَا ذَهَبَ إليه الزَّجَّاجُ، وهو منصوبٌ، فكانَ نَصْبُه رَدًّا لِمَا زَعَمَهُ الأَخْفَشُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت