فهرس الكتاب
وقولُه:
79 -نَصَرْتُكَ إِذْ لاَ صَاحِبٌ غَيْرَ خَاذِلٍ ... فَبُوِّئْتَ حِصْنًا بِالْكُمَاةِ حَصِينَا [1]
وزَعَمَ بعضُهم أنها قد تَعْمَلُ في المعرفةِ، وأَنْشَدَ للنابِغَةِ:
(1) هذا الشاهِدُ قدْ أَنْشَدَهُ أبو الفَتْحِ بنُ جِنِّيٍّ، ولم يَنْسُبْهُ إلى قائلٍ، وكذا كلُّ مَن وَقَفْنَا على كلامٍ له ذَكَرَ فيه هذا البيتَ ممَّن جاءَ بعدَ أبي الفَتْحِ.
اللغةُ: (بُوِّئْتَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، مِن قولِهم: بَوَّأَهُ اللهُ مَنْزِلًا؛ أي: أَسْكَنَهُ إيَّاه، (الكُمَاةِ) جَمْعُ كَمِيٍّ، وهو الشجاعُ المُتَكَمِّي في سلاحِه؛ أي: المستتِرُ فيه المتغطِّي به، وكانَ من عادةِ الفُرسانِ المعدودينَ أنْ يُكْثِرُوا من السلاحِ وعُدَدِ الحربِ، ويَلْبَسُوا الدِّرْعَ والبَيْضَةَ والمِغْفَرَ وغَيْرَهُنَّ؛ لأحدِ أمريْنِ: الأوَّلُ: الدَّلاَلَةُ على شجاعتِهِم الفائقةِ، والثاني: لأنَّهم قَتَلُوا كثيرًا من فُرسانِ أعدائِهم، فلِكَثِيرٍ من الناسِ عندَهم ثَارَاتٌ، فهم يَتَحَرَّزُونَ مِن أنْ يَأْخُذَهُم بعضُ ذَوِي الثَّارَاتِ على غِرَّةٍ.
الإعرابُ: (نَصَرْتُكَ) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ به، (إذْ) ظَرْفٌ للماضي من الزمانِ مُتَعَلِّقٌ بنَصَرَ، (لا) نافيةٌ تعمَلُ عملَ ليسَ، (صَاحِبٌ) اسْمُها، (غيرَ) خبرُ لا، وغيرَ مضافٌ و (خاذِلٍ) مضافٌ إليه، (فبُوِّئْتَ) الفاءُ عاطفةٌ، بُوِّئَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، وتاءُ المخاطَبِ نائبُ فاعلٍ، وهو مفعولٌ أَوَّلُ لِبُوِّئَ، (حِصْنًا) مفعولٌ ثانٍ، (بالكُمَاةِ) جارٌّ ومجرورٌ جَعَلَه العَيْنِيُّ متعلِّقًا بقولِهِ: (نَصَرْتُكَ) في أوَّلِ البيتِ، وعندي أنه يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بقولِهِ: (حَصِينَا) الذي بعدَه، بل هو أَوْلَى وأحسنُ، (حَصِينَا) نَعْتٌ لقولِهِ: (حِصْنًا) السابقِ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (لا صَاحِبٌ غَيْرَ خَاذِلٍ) ؛ حيثُ أَعْمَلَ لا مثلَ عَمَلِ ليسَ، فرَفَعَ بها ونَصَبَ، واسْمُها وخَبَرُها نكرتانِ، وهو أيضًًا كالبيتِ السابقِ رَدٌّ لمَذْهَبَيِ الأخفشِ والزَّجَّاجِ.