فهرس الكتاب
80 -بَدَتْ فِعْلَ ذِي وُدٍّ فَلَمَّا تَبِعْتُهَا ... تَوَلَّتْ وَبَقَّتْ حَاجَتِي فِي فُؤَادِيَا
وحَلَّتْ سَوَادَ القلبِ لا أنَا بَاغِيًا ... سِوَاهَا ولا عَنْ حُبِّهَا مُتَرَاخِيَا [1]
واختَلَفَ كلامُ المصنِّفِ في هذا البيتِ؛ فمَرَّةً قالَ: إنه مُؤَوَّلٌ. ومرَّةً قالَ: إنَّ القياسَ عليه سائِغٌ [2] .
(1) البيتانِ للنابغةِ الجَعْدِيِّ، أحدِ الشعراءِ المُعَمِّرِينَ، أَدْرَكَ الجاهليَّةَ، ووَفَدَ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَنْشَدَهُ مِن شِعْرِه، فدَعَا له، والبيتانِ مِن مُخَتارِ أبي تَمَّامٍ.
اللغةُ: (فِعْلَ ذِي وُدٍّ) ، أرادَ أنها تَفْعَلُ فِعْلَ صاحبِ الموَدَّةِ، فحَذَفَ الفعلَ وأَبْقَى المصدرَ، والوُدُّ ـ بتثليثِ الواوِ ـ المَحَبَّةُ، ومثلُه الوِدَادُ، (تَوَلَّتْ) : أَعْرَضَتْ ورَجَعَتْ، (بَقَّتْ حَاجَتِي) : بتشديدِ القافِ: تَرَكَتْها باقيَةً، (سَوَادَ القَلْبِ) سُوَيْدَاؤُه، وهي حَبَّتُه السوداءُ، (بَاغِيًا) طَالِبًا، (مُتَراخِيَا) مُتَهَاوِنًا فيه.
الإعرابُ: (بَدَتْ) بَدَا: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي، (فِعْلَ) قالَ العَيْنِيُّ: منصوبٌ بنَزْعِ الخافِضِ؛ أي: كفِعْلِ. وعندِي أنه منصوبٌ على أنه مفعولٌ مُطْلَقٌ لفعلٍ محذوفٍ؛ أي: تَفْعَلُ فِعْلَ ... إلخ، وفِعْلَ مضافٌ و (ذِي) مضافٌ إليه، وذِي مضافٌ و (وُدٍّ) مضافٌ إليه، (فلَمَّا) ظرفٌ بمعنى حِينَ، نَاصِبُه قولُه: (تَوَلَّتِ) الذي هو جَوَابُه، (تَبِعْتُهَا) فِعْلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، والجملةُ في محَلِّ جرٍّ بإضافةِ لَمَّا إليها، (تَوَلَّتْ) : فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تَقْدِيرُهُ هي، (وَبَقَّتْ) مِثْلُه، (حَاجَتِي) حاجَة: مفعولٌ به لِبَقَّتْ، وحاجة مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (فِي فُؤَادِيَا) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقولِهِ: (بَقَّتِ) السابقِ، (وَحَلَّتْ) حَلَّ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي، (سوَادَ) مفعولٌ به لحَلَّتْ، وسَوَادَ مضافٌ و (القَلْبِ) مضافٌ إليه، (لا) نافيةٌ تَعْمَلُ عَمَلَ ليسَ، (أَنَا) اسْمُها، (بَاغِيًا) خَبَرُها، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، (سِوَاهَا) سِوَى: مفعولٌ به لباغٍ، وسِوَى مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، ولا: نافيةٌ، (عن حُبِّهَا) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقولِهِ: (مُتَرَاخِيَا) الآتي، وحُبِّ مضافٌ وضميرُ المؤنَّثَةِ الغائبةِ مضافٌ إليه، (مُتَرَاخِيَا) معطوفٌ على قولِهِ: (بَاغِيًا) السابقِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (لا أَنا بَاغِيًا) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (لا) النافيةَ عَمَلَ (ليسَ) ، معَ أنَّ اسْمَهَا معرفةٌ، وهو (أنا) ، وهذا شاذٌّ، وقد تَأَوَّلَ النُّحاةُ هذا البيتَ ونحوَه ـ كما أشارَ إليه الشارِحُ العلاَّمَةُ نقلًا عن المصنِّفِ ـ بتأويلاتٍ كثيرةٍ، أَحَدُها: أنَّ قَوْلَه: (أنا) ليسَ اسْمًا لِلاَ، وإنما هو نائبُ فاعلٍ لفعلٍ محذوفٍ، وأصلُ الكلامِ على هذا: (لا أَرَى باغيًا) ، فلَمَّا حَذَفَ الفعلَ، وهو (أَرَى) ، بَرَزَ الضميرُ المستترُ، وانفصَلَ، أو يكونُ الضميرُ مبتدأً، وقولُه: (باغِيًا) حالٌ من نائبِ فاعلِ فِعْلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: (لا أنا أُرَى باغيًا) ، وجملةُ الفعلِ المحذوفِ معَ نائبِ فاعلِه في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، ويكونُ قدِ اسْتَغْنَى بالمعمولِ - وهو الحالُ الذي هو قولُه: (باغِيًا) - عن العاملِ فيه الذي هو الفعلُ المحذوفُ، وزَعَمُوا أنه ليسَ في هذا التأويلِ ارتكابُ شَطَطٍ ولا غُلُوٌّ في التقديرِ؛ فإنَّ مِن سَنَنِ العربيَّةِ الاستغناءَ بالمعمولِ عن العاملِ، كما في الحالِ السادَّةِ مسدَّ الخبرِ المُفْصِحَةِ عنه، كما اتَّضَحَ لكَ ذلكَ في بابِ المبتدأِ والخبرِ. فافْهَمْ ذلك، واللهُ يُرْشِدُكَ ويَتَوَلاَّكَ.
(2) الذي ذَهَبَ إلى أنَّ القياسَ على هذا البيتِ سائغٌ، هو أبو حَيَّانَ، شارِحُ كِتابِ (التسهيلِ) ، لا ابنُ مالِكٍ؛ فإنَّ ابنَ مالِكٍ قالَ في (التسهيلِ) : (ورَفْعُها مَعْرِفَةً نَادِرٌ) ، فقالَ أبو حَيَّانَ في شرحِ هذه العبارةِ ما نَصُّهُ: (قالَ المصنِّفُ في الشرحِ(يُرِيدُ ابنَ مالِكٍ) : وشَذَّ إِعْمَالُها في معرفةٍ في قولِ النابغةِ الجَعْدِيِّ:
* وَحَلَّتْ سَوَادَ القَلْبِ لا أنا بَاغِيًا *
البيتَ. اهـ. وقد حَذا المُتَنَبِّي حَذْوَ النابغةِ فقالَ:
إذا الجُودُ لَمْ يُرْزَقْ خَلاَصًا مِن الأَذَى ... فلا الحمدُ مَكْسُوبًا ولا المالُ بَاقِيَا
والقِياسُ على هذا سائغٌ عِنْدِي (والمُتَكَلِّمُ هو أبو حَيَّانَ) ، وقد أجازَ ابنُ جِنِّيٍّ إعمالَ لا في المعرفةِ، وذكَرَ ذلك في كتابِ (التمامِ) .اهـ كلامُ أبي حَيَّانَ بحُروفِه.