الصفحة 211 من 811

الشرطُ الثاني: ألاَّ يَتَقَدَّمَ خَبَرُها على اسمِها، فلا تقولُ: (لا قائمًا رجلٌ) .

الشرطُ الثالِثُ: ألاَّ يَنْتَقِضَ النفيُ بإلاَّ، فلا تقولُ: (لا رجلٌ إلا أفضلَ مِن زيدٍ) بنصبِ (أفضلَ) ، بل يَجِبُ رَفْعُه.

ولم يَتَعَرَّضِ المصنِّفُ لهذين الشرطيْنِ.

وأمَّا إنِ النافيةُ فمَذْهَبُ أكثرِ البَصريِّينَ والفَرَّاءِ أنها لا تَعْمَلُ شيئًا، ومذهَبُ الكُوفِيِّينَ خَلاَ الفَرَّاءِ أنها تَعْمَلُ عَمَلَ (ليسَ) ، وقالَ به مِن البَصريينَ أبو العبَّاسِ المُبَرِّدُ وأبو بَكْرِ بنُ السَّرَّاجِ وأبو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وأبو الفَتْحِ بنُ جِنِّيٍّ، واختارَه المُصَنِّفُ، وزَعَمَ أنَّ في كلامِ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ تعالى إشارةً إلى ذلكَ، وقد وَرَدَ السماعُ به؛ قالَ الشاعِرُ:

81 -إِنْ هُوَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى أَحَدٍ ... إِلاَّ عَلَى أَضْعَفِ الْمَجَانِينِ [1]

(1) يَكْثُرُ استشهادُ النُّحاةِ بهذا البيتِ، ومعَ هذا لم يَذْكُرْه أحدٌ مِنهم منسوبًا إلى قائلٍ معيَّنٍ.

اللغةُ والروايةُ: يُرْوَى عَجُزُ هذا البيتِ في صورٍ مُخْتَلِفَةٍ:

إحداها: الروايةُ التي رَوَاهُا الشارِحُ.

الثانيةُ:

* إِلاَّ عَلَى حِزْبِهِ المَلاَعِينِ *

والثالثةُ:

* إلاَّ على حِزْبِهِ المَنَاحِيسِ *

(مُسْتَوْلِيًا) هو اسمُ فاعلٍ فِعْلُه الماضي اسْتَوْلَى، ومعناه: كانَتْ له الوِلايةُ على الشيءِ، ومَلَكَ زِمامَ التصرُّفِ فيه، (المَجَانِينِ) جمعُ مجنونٍ، وهو مَن ذَهَبَ عَقْلُه، وأصلُه عندَ العربِ مَن خَبَلَه الجِنُّ، والمناحِيسُ في الروايةِ الأخرَى: جمعُ مَنْحُوسٍ، وهو مَن حَالَفَه سُوءُ الطالِعِ.

المعنى: ليسَ هذا الإنسانُ بذي وِلايةٍ على أحدٍ من الناسِ إلا على أضعفِ المجانينِ.

الإعرابُ: (إنْ) نافيةٌ تَعْمَلُ عملَ ليسَ، (هو) اسْمُها، (مُسْتَوْلِيًا) خَبَرُها، (على أحدٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (مُسْتَوْلِيًا) السابقِ، (إلا) أداةُ استثناءٍ، (على أَضْعَفِ) جارٌّ ومجرورٌ يَقَعُ مَوْقِعَ المستثنَى من الجارِّ والمجرورِ السابِقِ، وأضعَفِ مضافٌ و (المجانينِ) مُضافٌ إليه.

الشاهدُ فيه: قولُه: (إنْ هو مُسْتَوْلِيًا) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (إنِ) النافيَةَ عَمَلَ (ليسَ) ، فرَفَعَ بها الاسمَ الذي هو الضميرُ المنفصِلُ، ونصَبَ خَبَرَها الذي هو قولُه: (مُسْتَوْلِيًا) .

وهذا الشاهدُ يَرُدُّ على الفَرَّاءِ وأكثرِ البَصْرِيِّينَ الذين ذَهَبُوا إلى أنَّ (إنِ) النافِيَةَ لا تَعْمَلُ شيئًا، لا في المبتدأِ ولا في الخبرِ، ووَجْهُ الردِّ من البيتِ وُرُودُ الخبرِ اسمًا مُفْرَدًا منصوبًا بالفتحةِ الظاهرةِ، ولا ناصِبَ له في الكلامِ إلاَّ (إنْ) ، وليسَ لهم أنْ يَزْعُمُوا أنَّ النصبَ بها شاذٌّ؛ لِوُرُودِهِ في الشعْرِ كثيرًا، ولِوُرُودِهِ في النثرِ في نحوِ قولِ أهلِ العالِيَةِ: (إنْ أَحَدٌ خَيْرًا مِن أَحَدٍ إلاَّ بالعافيَةِ) ، وقد قَرَأَ بهذه اللغةِ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الآيةِ الكريمةِ التي تلاها الشارِحُ.

ويُؤْخَذُ من هذا الشاهدِ - زيادةً على ذلك - أنَّ (إنِ) النافيةَ مثلُ (ما) في أنها لا تَخْتَصُّ بالنكراتِ كما تَخْتَصُّ بها (لا) ؛ فإنَّ الاسمَ في البيتِ ضميرٌ، وقد نَصَّ الشارِحُ على هذا، ومَثَّلَ له.

ويُؤْخَذُ منه أيضًًا أنَّ انْتِقَاضَ النفيِ بعدَ الخبرِ بإلاَّ لا يَقْدَحُ في العملِ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى بقولِهِ: (إلاَّ على أَضْعَفِ .. إلخ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت