فهرس الكتاب
وقالَ آخَرُ:
82 -إِنِ الْمَرْءُ مَيْتًا بِانْقِضَاءِ حَيَاتِهِ ... وَلَكِنْ بِأَنْ يُبْغَى عَلَيْهِ فَيُخْذَلاَ [1]
وذكَرَ ابنُ جِنِّيٍّ في (المُحْتَسَبِ) ، أنَّ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَرَأَ: (إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالكُمْ) بنصبِ العِبادِ.
ولا يُشْتَرَطُ في اسمِها وخبرِها أنْ يكونَا نَكِرَتَيْنِ، بل تَعْمَلُ في النكرةِ والمعرفةِ، فتقولُ: (إنْ رَجُلٌ قَائِمًا، وإنْ زيدٌ القائمَ وإنْ زيدٌ قائمًا) .
وأمَّا (لاتَ) فهي (لا) النافيةُ زِيدَتْ عليها تاءُ التأنيثِ مفتوحةً، ومَذْهَبُ الجمهورِ أنها تَعْمَلُ عملَ (ليسَ) ؛ فتَرْفَعُ الاسمَ وتنصِبُ الخبرَ، لكِنِ اخْتُصَّتْ بأنها لا يُذْكَرُ معَها الاسمُ والخبرُ معًا، بل إنما يُذْكَرُ معَها أَحَدُهما، والكثيرُ في لِسانِ العربِ حَذْفُ اسمِها وبقاءُ خبرِها، ومنه قولُه تعالى: {وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} بنصبِ الحينِ، فحُذِفَ الاسمُ وبَقِيَ الخبرُ، والتقديرُ: ولاتَ الحينُ حينَ مَنَاصٍ، فالحينُ اسْمُها، وحينَ مَنَاصٍ خَبَرُها، وقد قُرِئَ شُذُوذًا: (وَلاَتَ حِينُ مَنَاصٍ) برفعِ الحينِ على أنه اسمُ لاتَ، والخبرُ
(1) وهذا البيتُ أيضًًا من الشواهدِ التي لا يُعْلَمُ قائِلُها.
المعنى: ليسَ المرءُ مَيْتًا بانقضاءِ حياتِه، وإنما يَمُوتُ إذا بَغَى عليه باغٍ فلم يَجِدْ عَوْنًا له، ولا نصيرًا يَأْخُذُ بيدِه، ويَنْتَصِفُ له ممَّن ظَلَمَه، يريدُ أنَّ الموتَ الحقيقيَّ ليسَ شيئًا بالقياسِ إلى الموتِ الأدبِيِّ.
الإعرابُ: (إن) نافيةٌ، (المَرْءُ) اسْمُها، (مَيْتًا) خَبَرُها، (بانقضاءِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (مَيْتًا) ، وانْقِضَاءِ مضافٌ وحياةِ مِن (حَيَاتِهِ) مضافٌ إليه، وحياةِ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (ولَكِنْ) حرفُ استدراكٍ، (بأن) الباءُ جارَّةٌ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، (يُبْغَى) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ منصوبٌ بأنْ، وعلامةُ نصبِه فتحةٌ مقدَّرَةٌ على الألفِ مَنَعَ مِن ظُهُورِها التعذُّرُ، (عليه) جارٌّ ومجرورٌ نائبٌ عن الفاعلِ لِيُبْغَى، وأنْ وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بالباءِ؛ أي: بالبغيِ عليه، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ، والتقديرُ: (ولَكِنْ يَمُوتُ بالبَغْيِ عليه) ، وقولُه: (فَيُخْذَلاَ) الفاءُ عاطفةٌ، ويُخْذَل: فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، معطوفٌ على يُبْغَى، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على المرءِ، والألفُ للإطلاقِ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (إِنِ المَرْءُ مَيْتًا) حيثُ أَعْمَلَ (إنِ) النافيةَ عَمَلَ (لَيْسَ) ، فرَفَعَ بها ونَصَبَ، وفي هذا الشاهدِ مِثْلُ ما في الشاهدِ السابقِ من وُجُوهِ الاستنباطِ التي ذَكَرْنَاهَا هناكَ.