الصفحة 213 من 811

محذوفٌ، والتقديرُ: ولاتَ حِينُ مَنَاصٍ لهم؛ أي: ولاتَ حِينُ مناصٍ كائنًا لهم، وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (وحَذْفُ ذي الرَّفْعِ ... إلى آخِرِ البيتِ) .

وأشارَ بقولِهِ: (وما للاَتَ في سِوَى حِينٍ عَمَلْ) إلى ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ (لاتَ) لا تَعْمَلُ إلاَّ في الحينِ، واخْتَلَفَ الناسُ فيه؛ فقالَ قومٌ: المرادُ أنها لا تَعْمَلُ إلاَّ في لفظِ الحينِ ولا تَعْمَلُ فيما رَادَفَهُ كالساعةِ ونحوِها. وقالَ قومٌ: المرادُ أنها لا تَعْمَلُ إلاَّ في أسماءِ الزمانِ، فتَعْمَلُ في لفظِ الحينِ وفيما رَادَفَهُ من أسماءِ الزمانِ. ومِن عَمَلِها فيما رَادَفَه قولُ الشاعرِ:

83 -نَدِمَ البُغاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ... والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ [1]

وكلامُ المصنِّفِ مُحْتَمِلٌ للقوليْنِ [2] ، وجَزَمَ بالثاني في (التسهيلِ) [3] ، ومَذْهَبُ الأخفشِ أنها لا تَعْمَلُ شيئًا، وأنه إنْ وُجِدَ الاسمُ بعدَها منصوبًا فناصِبُه فِعْلٌ مضمَرٌ، والتقديرُ: (لاتَ أَرَى حِينَ مَنَاصٍ) ، وإنْ وُجِدَ مرفوعًا فهو مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ، والتقديرُ: لاتَ حينُ مناصٍ كائنٌ لهم. واللهُ أَعْلَمُ.

(1) قِيلَ: إن هذا الشاهدَ لرجُلٍ مِن طَيِّئٍ، ولم يُسَمُّوهُ. وقالَ العَيْنِيُّ: قائلُه مُحَمَّدُ بنُ عِيسَى بنِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ التَّيْمِيُّ، ويقالُ: مُهَلْهَلُ بنُ مَالِكٍ الكِنَانِيُّ. واسْتَشْهَدَ الفَرَّاءُ بقولِهِ: (وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ) ثمَّ قالَ: ولا أَحْفَظُ صَدْرَهُ.

اللغةُ: (البُغَاةُ) جَمْعُ باغٍ، مثلُ قاضٍ وقُضَاةٍ، ودَاعٍ ودُعَاةٍ، ورَامٍ ورُمَاةٍ، والباغي: الذي يَتَجَاوَزُ قَدْرَهُ، (مَنْدَمٍ) مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الندَمِ، (مَرْتَعُ) اسمُ مكانٍ مِن قَوْلِهِم: رَتَعَ فلانٌ في المكانِ يَرْتَعُ ـ مِن بابِ فَتَحَ ـ إذا جَعَلَه مَلْهًى له ومَلْعَبًا، ومنه قولُه تعالى: {نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ} ، (وَخِيمُ) أصلُه أنْ يقالَ: وَخِمَ المكانُ، إذا لم يُنْجِعْ كَلَؤُهُ، أو لم يُوَافِقْكَ مُنَاخُه.

الإعرابُ: (نَدِمَ) فعلٌ ماضٍ، (البُغاةُ) فاعلُ نَدِمَ، (وَلاَتَ) الواوُ واوُ الحالِ، ولاتَ: نافيةٌ تَعْمَلُ عمَلَ ليسَ، واسمُها محذوفٌ، (ساعةَ) خَبَرُها، والجملةُ في مَحَلِّ نصبِ حالٍ؛ أي: نَدِمَ البُغاةُ، والحالُ أنَّ الوقتَ ليسَ وَقْتَ الندَمِ؛ لأنَّ وقتَه قد فاتَ، وساعةَ مضافٌ و (مَنْدَمٍ) مضافٌ إليه، (والبَغْيُ) مبتدأٌ أوَّلُ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، (مَرْتَعُ) مبتدأٌ ثانٍ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، ومَرْتَعُ مضافٌ ومُبْتَغِي من (مُبْتَغِيهِ) مضافٌ إليه، ومُبْتَغِي مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، (وَخِيمُ) خبرُ المبتدأِ الثاني، والجملةُ من المبتدأِ الثاني وخبرِه في محَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الأوَّلِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ) ؛ حيثُ أعْمَلَ (لاتَ) في لفظِ (سَاعَةَ) ، وهي بمعنى الحِينِ، وليسَتْ مِن لفظِه، وهو مذهَبُ الفَرَّاءِ ـ فيما نَقَلَه عنه جماعةٌ، مِنهم الرَّضِيُّ ـ إذ ذَهَبَ إلى أنَّ (لاتَ) لا يَخْتَصُّ عَمَلُها بلفظِ الحينِ، بل تَعْمَلُ فيما دَلَّ على الزمانِ؛ كساعةَ ووقتَ وزمانَ وأوانَ ونحوِ ذلك، وفي المسألةِ كلامٌ طويلٌ لا يَلِيقُ بَسْطُه بهذه العُجالةِ.

ومثلُ البيتِ الشاهِدِ ما أَنْشَدَهُ ابنُ السِّكِّيتِ في كتابِ (الأَضْدَادِ) ، وهو:

ولَتَعْرِفَنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ... ولَتَنْدَمَنَّ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ

(2) القولانِ: أَوَّلُهُما: أنها لا تَعْمَلُ إلاَّ في لفظِ الحينِ.

وثانيهما: أنها لا تَعْمَلُ إلا في اسمٍ دالٍّ على الحينِ؛ أي: الزمانِ، سواءٌ أكانَ مِن لفظِ الحينِ أم لم يَكُنْ، وقولُ الناظِمِ: (وما لِلاَتَ في سِوَى حِينٍ عَمَلْ) يجوزُ أنْ يكونَ معناه: (وما لِلاَتَ عَمَلٌ في سِوَى لفظِ حِينٍ) فيكونَ جارِيًا على القولِ الأوَّلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ معناه: (وما لِلاَتَ عَمَلٌ في سِوَى اسمٍ دالٍّ على الحِينِ) ، فيكونَ جارِيًا على القولِ الثاني.

(3) قالَ الناظِمُ في كتابِ (التسهيلِ) (ص 20) ما نَصُّه: (ولاتَ - بالتاءِ - فتَخْتَصُّ بالحِينِ، أو مُرَادِفِه، مُقْتَصَرًا على منصوبِها بكثرةٍ، وعلى مَرْفُوعِها بقِلَّةٍ) . اهـ، فتَجِدُه صَرَّحَ باختصاصِها بالعملِ في الحينِ أو في مرادِفِ الحينِ، ومرادفُ الحينِ هو كلُّ اسمٍ دَلَّ على زمانٍ، نحوُ: ساعةَ، ووقتَ، وأوانَ، وزمانَ، وغَدَاةَ ولحَظْةَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يكونَ ذلك إلا جَرْيًا على القولِ الثاني، فهذا مرادُ الشارِحِ بأنه جَزَمَ به في (التسهيلِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت