الصفحة 215 من 811

أفعالُ المُقَارَبَةِ

كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ [1]

هذا هو القِسمُ الثاني من الأفعالِ الناسخةِ للابتداءِ، وهو (كادَ) وأَخَوَاتُها، وذَكَرَ المصنِّفُ منها أحدَ عشرَ فِعلًا، ولا خِلافَ في أنها أفعالٌ، إلا عَسَى؛ فنَقَلَ الزاهِدُ عن ثَعْلَبٍ أنها حرفٌ، ونُسِبَ أيضًا إلى ابنِ السَّرَّاجِ [2] ، والصحيحُ أنها فعلٌ؛ بدليلِ اتصالِ تاءِ الفاعلِ وأخواتِها بها، نحوُ: (عَسَيْتُ وعَسَيْتَ وعَسَيْتُمَا وعَسَيْتُمْ وعَسَيْتُنَّ) .

(1) (ككانَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (كَادَ) قُصِدَ لَفْظُه: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (لَكِنْ) حَرْفُ استدراكٍ، (نَدَر) فعلٌ ماضٍ، (غيرُ) فاعلُ نَدَر، وغيرُ مضافٌ و (مضارِعٍ) مضافٌ إليه، (لِهَذَيْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (خَبَر) الآتي، (خَبَرْ) حالٌ من فاعلِ نَدَر، وقد وَقَفَ عليه بالسكونِ على لغةِ ربيعةَ التي تَقِفُ على المنصوبِ المنوَّنِ بالسكونِ، كما يَقِفُ سائرُ العربِ على المرفوعِ والمجرورِ المنوَّنَيْنِ.

(2) نَصَّ ابنُ هِشَامٍ في أكثرِ كُتُبِه على أنَّ القولَ بأنَّ (عَسَى) حرفٌ هو قولُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهم على ذلكَ ابنُ السَّرَّاجِ، ونَصَّ في (المُغْنِي) و (شَرْحِ الشُّذُورِ) على أنَّ ثَعْلبًا يَرَى هذا، وثَعْلَبٌ أَحَدُ شُيُوخِ الكُوفِيِّينَ، ومُلَخَّصُ مَذْهَبِهِم أنهم قالُوا: عَسَى حرفُ تَرَجٍّ. واسْتَدَلُّوا على ذلك بأنها دَلَّتْ على معنى لَعَلَّ، وبأنها لا تَتَصَرَّفُ كما أنَّ لَعَلَّ كذلك لا تَتَصَرَّفُ، ولَمَّا كانَتْ لَعَلَّ حرفًا بالإجماعِ وَجَبَ أنْ تَكُونَ عسَى حرفًا مثلَها؛ لقوَّةِ التشابُهِ بينَهما.

ومن العلماءِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (عَسَى) على ضَرْبَيْنِ (انْظُرْ ص 345 الآتِيَةَ) :

الضربُ الأوَّلُ: يَنْصِبُ الاسمَ ويرفَعُ الخبرَ، مثلُ إنَّ وأَخَوَاتِها، وهذه حرفُ تَرَجٍّ، ومِن شواهِدِهَا قولُ صَخْرِ بنِ العَوْدِ الحَضْرَمِيِّ:

فقُلْتُ عَسَاهَا نَارُ كَأْسٍ وعَلَّهَا ... تَشَكَّى فآتي نَحْوَهَا فأَعُودُهَا

والضربُ الثاني: يَرْفَعُ المبتدأَ ويَنْصِبُ الخبرَ ـ وهو الذي نَتَحَدَّثُ عنه في هذا البابِ، وهو من أفعالِ المقارَبَةِ ـ وهذا فعلٌ ماضٍ؛ بدليلِ قَبُولِه علامةَ الأفعالِ الماضِيَةِ؛ كتاءِ الفاعلِ في نحوِ قولِهِ تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} .

وأمَّا جُمُودُهَا ودَلالَتُها على معنًى يَدُلُّ عليه حرفٌ، فلا يُخْرِجَانِها عن الفعليَّةِ، وكم مِن فعلٍ يَدُلُّ على معنًى يَدُلُّ عليه حرفٌ، وهو معَ ذلكَ جامدٌ، ولم يُخْرِجْه ذلك عن فِعْلِيَّتِه، أَلَيْسَتْ حَاشَا وعَدَا وخَلاَ دَالَّةً على الاستثناءِ وهي جامدةٌ، وقد جاءَتْ حروفٌ بألفاظِها ومعانيها، فلم يَكُنْ ذلك مُوجِبًا لحَرْفِيَّتِها؟

وهذا الذي ذَكَرْنَاهُ ـ من أنَّ (عَسَى) على ضَرْبَيْنِ، وأنها في ضربٍ مِنهما فِعْلٌ، وفي الضربِ الآخَرِ حرفٌ ـ هو مَذْهَبُ شيخِ النُّحاةِ سِيبَوَيْهِ، (وانْظُرْ كِتَابَنَا على(شرحِ الأَشْمُونِيِّ) (ج 1 ص 463) وما بعدَها في الكلامِ على الشاهدِ رَقْمِ (252) .

ومن هذا كُلِّهِ يَتَّضِحُ لكَ: أنَّ في (عَسَى) ثلاثةَ أقوالٍ للنحاةِ:

الأوَّلُ: أنها فِعْلٌ في كلِّ حالٍ، سواءٌ اتَّصَلَ بها ضميرُ الرفعِ أو ضميرُ النصبِ أم لم يَتَّصِلْ بها واحدٌ منهما، وهو قولُ نُحَاةِ البَصْرَةِ، ورَجَّحَهُ المتأخِّرُونَ.

والثاني: أنها حرفٌ في جميعِ الأحوالِ، سواءٌ اتَّصَلَ بها ضميرُ الرفعِ أو النَّصْبِ أم لم يَتَّصِلْ بها أَحَدُهما، وهو قَوْلُ جَمْهَرَةِ الكُوفِيِّينَ، ومِنْهُم ثَعْلَبٌ، وابنُ السَّرَّاجِ.

والثالِثُ: أنها حَرْفٌ إذا اتَّصَلَ بها ضميرُ نَصْبٍ كما في البيتِ الذي أَنْشَدْنَاهُ، وفِعْلٌ فيما عَدَا ذلك، وهو قولُ سِيبَوَيْهِ شيخِ النُّحاةِ، ولا تَتَّسِعُ هذه العُجالةُ السريعةُ إلى الاحتجاجِ لكلِّ رأيٍ، وإلى تخريجِ الشواهدِ على كلِّ مذهَبٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت