الصفحة 216 من 811

وهذه الأفعالُ تُسَمَّى أفعالَ المقارَبَةِ، وليسَتْ كلُّها للمقاربةِ، بل هي على ثلاثةِ أقسامٍ:

أحدُها: ما دَلَّ على المقاربَةِ، وهي كادَ وكَرَبَ وأَوْشَكَ.

والثاني: ما دَلَّ على الرجاءِ، وهي عَسَى وحَرَى واخْلَوْلَقَ.

والثالثُ: ما دَلَّ على الإنشاءِ، وهي جَعَلَ وطَفِقَ وأَخَذَ وعَلِقَ وأَنْشَأَ.

فتَسْمِيَتُها أفعالَ المقاربَةِ من بابِ تسميةِ الكلِّ باسمِ البعضِ.

وكلُّها تَدْخُلُ على المبتدأِ والخبرِ، فتَرْفَعُ المبتدأَ اسمًا لها، ويكونُ خَبَرُه خبرًا لها في موضِعِ نصبٍ، وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (ككانَ كادَ وعَسَى) ، لكنَّ الخبرَ في هذا البابِ لا يكونُ إلا مضارعًا، نحوُ: (كادَ زيدٌ يقومُ، وعسى زيدٌ أنْ يقومَ) ، ونَدَرَ مجيئُه اسمًا بعدَ (عَسَى وكادَ) ؛ كقولِهِ:

84 -أَكْثَرْتَ فِي العَذْلِ مُلِحًّا دَائِمَا ... لاَ تُكْثِرَنَّ إِنِّي عَسَيْتُ صَائِمَا [1]

(1) قالَ أبو حَيَّانَ: (هذا البيتُ مجهولٌ، لم يَنْسُبْهُ الشرَّاحُ إلى أحدٍ) . اهـ، قالَ ابنُ هِشَامٍ: (طَعَنَ في هذا البيتِ عبدُ الواحدِ في كتابِه(بُغْيَةِ الآمِلِ ومُنْيَةِ السائِلِ) ، فقالَ: هو بيتٌ مجهولٌ، لم يَنْسُبْهُ الشرَّاحُ إلى أحدٍ، فسَقَطَ الاحتجاجُ به. ولو صَحَّ ما قالَه لسَقَطَ الاحتجاجُ بخَمْسِينَ بَيْتًا من كتابِ سِيبَوَيْهِ؛ فإنَّ فيه أَلْفَ بيتٍ عُرِفَ قَائِلُوها وخَمْسِينَ بَيْتًا مجهولةَ القائلِينَ). اهـ.

وقيلَ: إنه لِرُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ. وقد بَحَثْتُ دِيوَانَ أَرَاجِيزِ رُؤْبَةَ فلم أَجِدْه في أصلِ الديوانِ، وهو مما وَجَدْتُه في أبياتٍ جَعَلَهَا ناشِرُه ذَيْلًا لهذا الديوانِ مما وَجَدَه في بعضِ كُتُبِ الأَدَبِ منسوبًا إليه، وذلك لا يَدُلُّ على صِحَّةِ نِسْبَتِها إليه أكثرَ ممَّا تَدُلُّ عليه عِبارةُ المؤلِّفِ لكتابِ الأدبِ الذي نَقَلَ عنه.

اللغةُ: (العَذْلِ) المَلاَمَةِ، (مُلِحًّا) اسمُ فاعلٍ مِن (أَلَحَّ يُلِحُّ إِلْحَاحًا) ؛ أي: أَكْثَرَ.

الإعرابُ: (أَكْثَرْتَ) فعلٌ وفاعلٌ، (في العَذْلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَكْثَرَ، (مُلِحًّا) حالٌ مِن التاءِ في أَكْثَرْتَ مُؤَكِّدَةٌ لعامِلِها، (دَائِما) صفةٌ للحالِ، (لا تُكْثِرَنَّ) لا: ناهيةٌ، والفعلُ المضارِعُ مبنيٌّ على الفتحِ لاتصالِه بنونِ التوكيدِ الخفيفةِ في محَلِّ جزمٍ بلا، ونونُ التوكيدِ حرفٌ مبنيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (إني) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (عَسَيْتُ) عَسَى: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، وتاءُ المتكلِّمِ اسْمُه، (صائِما) خَبَرُه، والجملةُ مِن عسَى واسْمِها وخَبَرِها في مَحَلَِّ رفعِ خبرِ (إنَّ) .

الشاهدُ فيه: قولُه: (عَسَيْتُ صَائِمَا) حيثُ أَجْرَى (عَسَى) مُجرَى (كانَ) فرَفَعَ بها الاسمَ ونَصَبَ الخبرَ، وجاءَ بخَبَرِها اسمًا مُفْرَدًا، والأصلُ أنْ يكونَ خَبَرُها جملةً فعليَّةً فِعْلُها مضارِعٌ، ومثلُ هذا البيتِ قولُهم في المَثَلِ: (عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسًا) .

وفي البيتِ توجيهٌ آخَرُ، وهو أنَّ (عَسَى) هنا فعلٌ تامٌّ يَكْتَفِي بفاعلٍ، وهو هنا المتكلِّمُ، بدليلِ وقوعِ جملتِها خبرًا لإنَّ الناصبةِ للاسمِ الرافعةِ للخبرِ؛ وذلك لأنَّ معنَى عَسَى للتَّرَجِّي، والترجِّي إنشاءٌ، وأيضًًا فإنَّ الأفعالَ الناقصةَ جُمْلَتُها إنشائيَّةٌ، والجملةُ الإنشائيَّةُ لا تَقَعُ خَبَرًا لإنَّ عندَ الجمهورِ الذين يُجَوِّزُونَ وقوعَ الإنشائيَّةِ خبرًا للمبتدأِ غيرِ المنسوخِ، وإذا كانَ ذلك كذلك فلا بُدَّ أنْ تكونَ الجملةُ خبريَّةً، فلا تكونُ (عَسَى) ناقصةً، وأما قولُه: (صائمَا) على هذا فهو خبرٌ (لِكَانَ) محذوفةٍ معَ اسْمِها، وتقديرُ الكلامِ: إني رَجَوْتُ أنْ أكونَ صائمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت