الصفحة 217 من 811

وقولِه:

85 -فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آئِبًا ... وكم مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهْيَ تَصْفِرُ [1]

وهذا هو مرادُ المصنِّفِ بقولِهِ: (لَكِنْ نَدَرْ ... إلى آخِرِهِ) ، لكنْ في قَوْلِهِ (غيرُ مضارعٍ) إيهامٌ؛ فإنَّه يَدْخُلُ تحتَه الاسمُ والظرفُ والجارُّ والمجرورُ والجملةُ الاسميَّةُ والجملةُ الفعليَّةُ بغيرِ المضارِعِ، ولم يَنْدُرْ مجيءُ هذه كلِّها خبرًا عن (عَسَى وكادَ) ، بل الذي نَدَرَ مجيءُ الخبرِ اسمًا [2] ، وأما هذه فلم يُسْمَعْ مجيئُها خبرًا عن هذيْنِ.

وكونُهُ بدونِ (أنْ) بعدَ عَسَى ... نَزْرٌ وكادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا [3]

(1) هذا البيتُ لِتَأَبَّطَ شَرًّا؛ ثابتِ بنِ جَابِرِ بنِ سُفْيَانَ، مِن كَلِمَةٍ مُختارةٍ، اخْتَارَها أبو تَمَّامٍ في حَمَاسَتِه (انْظُرْ شَرْحَ التِّبْرِيزِيِّ 1/ 85 بتحقيقِنا) ، وأَوَّلُها قولُه:

إذا المَرْءُ لم يَحْتَلْ وَقَدْ جَدَّ جِدُّهُ ... أضاعَ وقَاسَى أَمْرَهُ وَهْوَ مُدْبِرُ

اللغةُ: (أُبْتُ) رَجَعْتُ، (فَهْمٍ) اسمُ قَبِيلَتِه، وأبوها فَهْمُ بنُ عَمْرِو بنِ قَيْسِ عَيْلاَنَ، (تَصْفِرُ) أرادَ أنها تَتَأَسَّفُ وتَتَحَزَّنُ على إِفْلاتِي مِنها بعدَ أنَّ ظَنَّ أَهْلُها أنهم قد قَدَرُوا عليَّ، وقِصَّةُ ذلك أنَّ قَوْمًا مِن بَنِي لِحْيَانَ ـ وهم حيٌّ مِن هُذَيْلٍ ـ وَجَدُوا تَأَبَّطَ شَرًّا يَشْتَارُ عَسَلًا من فوقِ جَبَلٍ، ورَآهُم يَتَرَصَّدُونَه، فخَشِيَ أنْ يَقَعَ في أَيْدِيهِم، فانْتَحى من الجبلِ ناحيةً بعيدةً عنهم، وصَبَّ ما معَه من العسلِ فوقَ الحَجَرِ، ثُمَّ انْزَلَقَ عليه حتى انْتَهَى إلى الأرضِ، ثمَّ أَسْلَمَ قَدَمَيْهِ للرِّيحِ، فنَجَا من قَبْضَتِهم.

المعنى: يقولُ: إني رَجَعْتُ إلى قَوْمِي بعدَ أنْ عَزَّ الرجوعُ إليهم، وكم مِثْلِ هذه الخُطَّةِ فَارَقْتُها، وهي تَتَأَسَّفُ وتَتَعَجَّبُ مِنِّي كيفَ أَفْلَتُّ منها.

الإعرابُ: (فَأُبْتُ) الفاءُ عاطفةٌ، آبَ: فعلٌ ماضٍ، وتاءُ المتكلِّمِ فاعلُه، (إلى فَهْمٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأُبْتُ، (وما) الواوُ حالِيَّةٌ، ما: نافِيَةٌ، (كِدْتُ) كادَ: فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ اسْمُه، (آئِبًا) خبرُ كادَ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبِ حالٍ، (وكم) الواوُ حالِيَّةٌ، كم: خَبَرِيَّةٌ بمعنى كثيرٍ، مُبْتَدَأٌ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعٍ، (مِثْلِها) مِثْلِ: تَمْيِيزٌ لـ (كَمْ) مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، ومثلِ مضافٌ وضميرُ الغائبةِ مضافٌ إليه، (فَارَقْتُهَا) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ به، (وَهْيَ) الواوُ للحالِ، هي: مبتدأٌ، (تَصْفِرُ) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، والجملةُ في محَلِّ رفعِِ خبرِ المبتدأِ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبِ حالٍ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وما كِدْتُ آئِبًا) ؛ حيثُ أَعْمَلَ (كادَ) عَمَلَ (كانَ) ، فرَفَعَ الاسمَ ونصَبَ الخبرَ، ولكنَّه أَتَى بخَبَرِها اسْمًا مفردًا، والقياسُ في هذا البابِ أنْ يكونَ الخبرُ جملةً فعليَّةً فِعْلُها مضارِعٌ؛ ولهذا أَنْكَرَ بَعْضُ النُّحاةِ هذه الروايةَ، وزَعَمَ أنَّ الروايةَ الصحيحةَ هي: (وَمَا كُنْتُ آئِبًا) .

(2) يُمْكِنُ أنْ يُجَابَ عن هذا الاعتراضِ بأنَّ في كلامِ الناظمِ حذفَ الواوِ وما عَطَفَتْه، وأصلُ الكلامِ: (لكِنْ نَدَرَ غيرُ مضارِعٍ لهذين وأَخَوَاتِهما خَبَرٌ) ، وقد نَدَرَ مجيءُ خَبَرِ جَعَلَ جملةً فعليَّةً فِعْلُها ماضٍ في قولِ ابنِ عَبَّاسٍ: (فَجَعَلَ الرجلُ إِذَا لم يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا) ، على أنَّ صِدْقَ قولِهِ: (غيرُ مضارعٍ) يكفي فيه صورةٌ واحدةٌ، وهي الاسمُ المفرَدُ.

(3) (وكَوْنُهُ) الواوُ عاطفةٌ، وكونُ: مَبْتَدَأٌ ـ وهو مَصْدَرُ كانَ الناقصةِ فيحتَاجُ إلى اسمٍ وخبرٍ سِوَى خبرِه من جهةِ الابتداءِ ـ وكونُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، وهو اسْمُه، وخبرُه محذوفٌ؛ أي: وكَوْنُه وَارِدًا (بدونِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بذلك الخبرِ المحذوفِ، ودونَ مضافٌ و (أنْ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (بعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ أيضًًا بذلكَ الخبرِ المحذوفِ، وبعدَ مضافٌ و (عَسَى) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (نَزْرٌ) خبرُ المبتدأِ الذي هو قولُه: كَوْنُهُ، (وكَادَ) الواوُ عاطفةٌ، وكادَ: قُصِدَ لَفْظُه: مبتدأٌ أوَّلُ، (الأَمْرُ) مبتدأٌ ثانٍ، (فيه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (عُكِسَ) الآتي، (عُكِسَا) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى (الأمرُ) ، والجملةُ من عُكِسَ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الثاني، وجملةُ المبتدأِ الثاني وخبرُه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الأوَّلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت