الصفحة 218 من 811

أي: اقترانُ خبرِ (عسَى) بـ (أنْ) كثير ٌ [1] ، وتجريدُه من (أنْ) قليلٌ، وهذا مذهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ جمهورِ البَصريِّينَ أنه لا يَتَجَرَّدُ خبرُها مِن (أنْ) إلاَّ في الشعرِ، ولم يَرِدْ في القرآنِ إلاَّ مُقْتَرِنًا بـ (أنْ) ؛ قالَ اللهُ تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} ، وقالَ عَزَّ وجَلَّ: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} .

ومن وُرُودِهِ بدونِ (أنْ) قولُهُ:

86 -عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ [2]

(1) أنتَ إذا قُلْتَ: (عَسَى زَيْدٌ أنْ يَقُومَ) فزيدٌ: اسمُ عَسَى، وأنْ والفِعْلُ في تأويلِ مَصْدَرٍ خبرُه، ويَلْزَمُ على ذلك الإخبارُ باسمِ المعنى ـ وهو المصدَرُ ـ عن اسمِ الذاتِ، وهو زيدٌ، وهو غيرُ الأصلِ والغالبِ في كلامِ العربِ.

وللعلماءِ في الجوابِ عن ذلكَ أربعةُ وُجُوهٍ:

أَوَّلُها: أنَّ الكلامَ حينَئذٍ على تقديرِ مضافٍ، إما قَبْلَ الاسمِ، وكأنك قُلْتَ: عَسَى أمرُ زيدٍ القيامَ، وإما قبلَ الخبرِ، وكأنك قلتَ: عسى زيدٌ صَاحِبَ القيامِ، فعلى الأوَّل تكونُ قد أَخْبَرْتَ باسْمِ مَعْنًى عن اسمِ معنًى، وعلى الثاني تكونُ قد أَخْبَرْتَ باسمٍ يَدُلُّ على الذاتِ عن اسمِ ذاتٍ؛ لأنَّ اسمَ الفاعلِ يَدُلُّ على الذاتِ التي وَقَعَ منها الحَدَثُ أو قامَ بها.

وثانيها: أنَّ هذا المصدرَ في تأويلِ الصفةِ، وكأنك قد قلتَ: عَسَى زيدٌ قَائِمًا.

وثالِثُها: أنَّ الكلامَ على ظاهِرِهِ، والمقصودُ المبالغةُ في زيدٍ حتى كَأَنَّهُ هو نَفْسُ القيامِ.

وهذه الوجوهُ الثلاثةُ جاريَةٌ في كلِّ مصدرٍ ـ صَرِيحٍ أو مُؤَوَّلٍ ـ يُخْبَرُ به عن اسمِ الذاتِ، أو يَقَعُ نعتًا لاسمِ ذاتٍ، أو يَجِيءُ حالًا من اسمِ الذاتِ.

ورابِعُها: أنَّ (أنْ) لَيْسَتْ مصدريَّةً في هذا الموضِعِ، بل هي زائدةٌ، فكأنك قلتَ: عسى زيدٌ يقومُ، وهذا وجهٌ ضعيفٌ؛ لأنَّها لو كانَتْ زائدةً لم تَعْمَلِ النصبَ، ولَسَقَطَتْ من الكلامِ في السَّعَةِ أحيانًا، وهي لا تَسْقُطُ إلا نادرًا لضرورةِ الشعرِ.

(2) البيتُ لِهُدْبَةَ بنِ خَشْرَمٍ العُذْرِيِّ، من قصيدةٍ قالها وهو في الحَبْسِ، وقد رَوَى أكثرَ هذا القصيدةِ أبو عليٍّ القَالِيُّ في أماليه، ورَوَى أبو السَّعَادَاتِ بنُ الشَّجَرِيِّ في حَمَاسَتِه منها أكثرَ مما رَوَاهُ أبو عليٍّ، وأَوَّلُ هذه القصيدةِ قولُه:

طَرِبْتَ وَأَنْتَ أَحْيانًا طَرُوبُ ... وكيفَ وقدْ تَعَلاَّكَ المَشِيبُ؟

يُجِدُّ النَّأْيُ ذِكْرَكِ في فُؤَادِي ... إِذَا ذُهِلَتْ على النأيِ القُلُوبُ

يُؤَرِّقُنِي اكْتِئَابُ أَبِي نُمَيْرٍ ... فقلبي مِن كآبَتِه كَئِيبُ

فقلتُ له هداكَ اللهُ مَهْلًا ... وخَيْرُ القولِ ذو اللُّبِّ المُصِيبُ

عَسَى الكَرْبُ الذي أَمْسَيْتَ فيهِ ... يكونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

اللغةُ: (طَرِبْتَ) الطَّرَبُ: خِفَّةٌ تُصِيبُ الإنسانَ مِن فَرَحٍ أو حُزْنٍ، (النَّأْيُ) البُعْدُ، (الكَرْبُ) الهَمُّ والغَمُّ، (أَمْسَيْتَ) قالَ ابنُ =المُسْتَوْفِي: يُرْوى بضمِّ التاءِ وفَتْحِها، والنحْوِيُّونَ إنما يَرْوُونَه بضمِّ التاءِ، والفتحُ عندَ أبي حنيفةَ أَوْلَى؛ لأنَّه يُخَاطِبُ ابنَ عَمِّه أبا نُمَيْرٍ كما هو ظاهِرٌ من الأبياتِ التي رَوَيْنَاها، وكانَ أبو نُمَيْرٍ معَه في السِّجْنِ.

الإعرابُ: (عَسَى) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (الكَرْبُ) اسمُ عسَى مرفوعٌ به، (الذي) اسمٌ موصولٌ صفةٌ لِلْكَرْبِ، (أَمْسَيْتَ) أَمْسَى: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ اسمُه، (فيه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ أمسَى، والجملةُ مِن أَمْسَى واسمِه وخبرِه لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، (يكونُ) فعلٌ مضارِعٌ ناقصٌ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه، (وَرَاءَهُ) وَرَاءَ: ظرفٌ متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، ووَرَاءَ مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، (فَرَجٌ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (قَرِيبُ) صفةٌ لِفَرَجٌ، والجملةُ من المبتدأِ والخبرِ في محَلِّ نصبِ خبرِ (يكونُ) ، والجملةُ من (يكونُ) واسمِها وخَبَرِها في محَلِّ نصبِ خبرِ (عَسَى) .

الشاهدُ فيه: قولُه: (يكونُ وَرَاءَهُ ... إلخ) حيثُ وَقَعَ خبرُ (عسى) فعلًا مضارعًا مجرَّدًا من (أنِ) المصدريَّةِ، وذلك قليلٌ، ومثلُه الشاهدُ الذي بعدَه (ش 87) وقولُ الآخَرِ:

عسَى اللهُ يُغْنِي عن بلادِ ابنِ قَادِرٍ ... بِمُنْهَمِرٍ جَوْنِ الرَّبَابِ سَكُوبِ

(المنهَمِرُ) : أرادَ به الكثيرَ، (والجَوْنُ) : الأسودُ، والرَّبابُ: السَّحابُ، والسحابُ الأسودُ دَلِيلٌ على أنه حافلٌ بالمطرِ، ومثلُ هذه الأبياتِ قولُ الآخَرِ:

فأمَّا كَيِّسٌ فَنَجَا ولَكِنْ ... عَسَى يَغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت