الصفحة 221 من 811

وَكَعَسَى حَرَى وَلَكِنْ جُعِلاَ ... خَبَرُهَا حَتْمًا بِـ (أَنْ) مُتَّصِلاَ [1]

وَأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ (أَنْ) مِثْلَ حَرَى ... وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا (أَنْ) نَزَرَا [2]

يعني: أنَّ (حَرَى) مثلُ (عَسَى) في الدَّلالةِ على رجاءِ الفعلِ، لكِنْ يَجِبُ اقترانُ خَبَرِها بـ (أنْ) ، نحوُ: (حَرَى زيدٌ أنْ يقومَ) ، ولم يُجَرَّدْ خَبَرُها من (أنْ) لا في الشعرِ ولا في غيرِه، وكذلك اخْلَوْلَقَ تَلْزَمُ (أنْ) خَبَرَها، نحوُ: اخْلَوْلَقَتِ السماءُ أنْ تُمْطِرَ، وهو مِن أمثلةِ سِيبَوَيْهِ، وأمَّا (أَوْشَكَ) فالكثيرُ اقترانُ خبرِها بـ (أنْ) ، ويَقِلُّ حَذْفُها مِنه؛ فمِن اقترانِه بها قولُه:

89 -ولوْ سُئِلَ النَّاسُ التُّرَابَ لأَوْشَكُوا ... إِذَا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا [3]

(1) (كَعَسى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (حَرَى) قُصِدَ لفظُه: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (ولَكِنْ) حرفُ استدراكٍ، (جُعِلاَ) جُعِلَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألفُ للإطلاقِ، (خَبَرُهَا) خبرُ نائبُ فاعلِ جُعِلَ ـ وهو مفعولٌ أوَّلُ ـ وخبرُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (حَتْمًا) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ يَقَعُ مفعولًا مطلقًا؛ أي: اتِّصالًا حَتْمًا، (بأنْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: مُتَّصلا الآتي، (مُتَّصِلاَ) مفعولٌ ثانٍ لجُعِلَ.

(2) (وَأَلْزَمُوا) فعلٌ وفاعلٌ، (اخْلَوْلَقَ) قُصِدَ لفظُه: مفعولٌ أوَّلُ لأَلْزَمَ، (أنْ) قُصِدَ لفظُه أيضًًا: مفعولٌ ثانٍ لأَلْزَمَ، (مِثْلَ) حالٌ صاحِبُه قولُه: (اخْلَوْلَقَ) السابِقُ، ومثلَ مضافٌ و (حَرَى) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (وبعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بقولِهِ: (انْتِفَا) الآتي، وبعدَ مضافٌ و (أَوْشَكَ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (انْتِفَا) قُصِرَ للضرورةِ: مبتدأٌ، وانْتِفَا مضافٌ و (أنْ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (نَزَرَا) فعلٌ ماضٍ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى انْتِفَا، والجملةُ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو انْتِفَا.

وتقديرُ البيتِ: وأَلْزَمَ العربُ اخْلَوْلَقَ (أنْ) حَالَ كونِه مُشبهًا في ذلكَ حَرَى، وانتفاءُ أنْ بعدَ أَوْشَكَ قد قَلَّ.

(3) هذا البيتُ أَنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ في أَمَالِيهِ (ص 433) عن ابنِ الأعرابِيِّ، ولم يَنْسُبْهُ إلى أحدٍ، ورَوَاهُ الزَّجَّاجِيُّ في أماليه أيضًًا ... (126) وقبلَه:

أبا مَالِكٍ، لا تَسْأَلِ الناسَ وَالْتَمِسْ ... بِكَفَّيْكَ فَضْلَ اللهِ واللهُ أَوْسَعُ

المعنى: إنَّ مِن طَبْعِ الناسِ أنهم لو سُئِلُوا أنْ يُعْطُوا أَتْفَهَ الأشياءِ، وأَهْوَنَها خَطَرًا وأَقَلَّهَا قِيمةً ـ لَمَا أجابوا، بل إنهم لَيَمْنَعُونَ السائلَ ويَمَلُّونَ السؤالَ.

الإعرابُ: (ولو) شرطيَّةٌ غيرُ جازمةٍ، (سُئِلَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ فعلُ الشرطِ، (الناسُ) نائبُ فاعلِ سُئِلَ، وهو المفعولُ الأوَّلُ، (التُّرَابَ) مفعولٌ ثانٍ لسُئِلَ، (لأَوْشَكُوا) اللامُ واقعةٌ في جوابِ (لو) ، وأَوْشَكَ: فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، وَوَاوُ الجماعةِ اسْمُه، (إِذَا) ظرفٌ للمُسْتَقْبَلِ مِن الزمانِ، (قِيلَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، (هَاتُوا) فعلُ أمرٍ وفاعلُه، وجُمْلَتُهما في محلِّ رفعِ نائبِ فاعلٍ لقِيلَ، وجملةُ قِيلَ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، وجملةُ الشرطِ وجوابِه لا محَلَّ لها؛ مُعْتَرِضَةٌ بينَ أَوْشَكَ معَ مرفوعِها وخبرِها، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (يَمَلُّوا) فِعْلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنْ، وواوُ الجماعةِ فاعلٌ، والجملةُ في محلِّ نصبِ خبرِ أَوْشَكَ، (وَيَمْنَعُوا) معطوفٌ على يَمَلُّوا.

الشاهدُ فيه: يَسْتَشْهِدُ النُّحاةُ بهذا البيتِ ونحوِه على أمريْنِ:

الأوَّلُ: في قولِهِ: (لأَوْشَكُوا) ؛ حيثُ وَرَدَ (أَوْشَكَ) بصيغةِ الماضي، وهو يَرُدُّ على الأَصْمَعِيِّ وأبي عليٍّ اللذيْن أَنْكَرَا استعمالَ (أَوْشَكَ) وزَعَمَا أنه لم يُسْتَعْمَلْ من هذه المادَّةِ إلا (يُوشِكُ) المضارِعُ، وسيأتي للشارحِ ذِكْرُ هذا، والاستشهادُ له بهذا البيتِ (ص 338) .

والأمرُ الثاني: في قولِه: (أنْ يَمَلُّوا) ؛ حيثُ أَتَى بخبرِ (أَوْشَكَ) جملةً فعليَّةً فِعْلُها مضارِعٌ مقترِنٌ بأنْ، وهو الكثيرُ.

ومن الشواهدِ على هذيْنِ الأمريْنِ قولُ جَرِيرٍ يَهْجُو العبَّاسَ بنَ يَزِيدَ الكِنْدِيَّ:

إذا جَهِلَ الشَّقِيُّ ولم يُقَدِّرْ ... ببعضِ الأمرِ أَوْشَكَ أَنْ يُصَابَا

وقولُ الكَلْحَبَةِ اليَرْبُوعِيِّ:

إذا المَرْءُ لَمْ يَغْشَ الكَرِيهَةَ أَوْشَكَتْ ... حِبالُ الهُوَيْنَى بالْفَتَى أنْ تَقَطَّعَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت