الصفحة 220 من 811

وأمَّا (كادَ) فذَكَرَ المصنِّفُ أنها عكسُ (عَسَى) ، فيكونُ الكثيرُ في خَبَرِها أنْ يَتَجَرَّدَ مِن (أنْ) ، ويَقِلُّ اقْتِرانُه بها، وهذا بخلافِ ما نَصَّ عليه الأندلسيُّونَ من أنَّ اقترانَ خبرِها بـ (أنْ) مخصوصٌ بالشعرِ؛ فمِن تَجريدِه مِن (أنْ) قولُه تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} ، وقالَ: {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} [1] ، ومن اقترانِه بأنْ قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ ) ). وقولُه:

88 -كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ ... إِذْ غَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وبُرُودِ [2]

(1) ومثلُ الآيتيْنِ الكريمتيْنِ قولُ أحدِ أصحابِ مُصْعَبِ بنِ الزُّبَيْرِ، يَرْثِيهِ، وهو الشاهِدُ (رَقْمُ 149) الآتي في بابِ الفاعلِ:

لَمَّا رَأَى طَالِبُوهُ مُصْعَبًا ذُعِرُوا ... وكادَ - لو سَاعَدَ المَقْدُورُ - يَنْتَصِرُ

الشاهِدُ فيه: قولُه: (كادَ يَنْتَصِرُ) ؛ فإنَّ الفعلَ المضارِعَ الواقِعَ خبرًا لكادَ لم يَقْتَرِنْ بأنْ.

(2) هذا البيتُ من الشواهدِ التي يَذْكُرُها كثيرٌ مِن النُّحاةِ وعلماءِ اللغةِ غيرَ مَنْسُوبَةٍ إلى قائلٍ معيَّنٍ، وقد عَثَرْنَا بعدَ طَويلِ البَحْثِ على أنه مِن كَلِمَةٍ لمُحَمَّدِ بنِ مُنَاذِرٍ، أحدِ شعراءِ البصرةِ، يَرْثِي فيها رجلًا اسْمُه عبدُ المَجِيدِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وقبلَه:

إنَّ عَبْدَ المَجِيدِ يَوْمَ تُوُفِّي ... هَدَّ رُكْنًا ما كانَ بالمَهْدُودِ

لَيْتَ شِعْرِي وهلْ دَرَى حَامِلُوهُ ... ما على النَّعْشِ مِن عَفَافٍ وجُودِ

اللغةُ: (تَفِيضَ) من قَوْلِهِم: (فاضَتْ نَفْسُ فلانٍ) ، ويُرْوَى في مكانِه: (تَفِيظَ) ، وكلُّ الرواةِ يُجِيزُونَ أن تقولَ: فاضَتْ نفسُ فلانٍ. إلا الأَصْمَعِيَّ؛ فإنَّه أبَى إلا أنْ تقولَ: فاظَتْ نَفْسُ فلانٍ. بالظاءِ، وكلامُ غيرِ الأصمعيِّ أَسَدُّ؛ فهذا البيتُ الذي نَشْرَحُهُ دليلٌ على صِحَّتِه، وكذلك قولُ الآخَرِ:

تَفِيضُ نُفُوسُها ظَمَأً وَتَخْشَى ... حِمَامًا فهْيَ تَنْظُرُ مِن بَعِيدِ

وقولُ الراجِزِ:

تَجَمَّعَ الناسُ وقالوا عُرْسُ ... فَفُقِئَتْ عَيْنٌ وفَاضَتْ نَفْسُ

وقولُ الشاعرِ في بيتِ الشاهدِ: (رَيْطَةٍ) بفتحِ الراءِ وسكونِ الياءِ المُثَنَّاةِ: المُلاَءَةُ إذا كانَتْ قِطعةً واحدةً، وأرادَ هنا الأكفانَ التي يُلَفُّ فِيها الميِّتُ.

الإعرابُ: (كَادَتْ) كادَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ للتأنيثِ، (النَّفْسُ) اسمُ كادَ، (أَنْ) مصدريَّةٌ، (تَفِيضَ) فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنْ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى النفسُ، وأنْ معَ ما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ يَقَعُ خَبَرًا لكادَ، (عَلَيْهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: تَفِيضَ السابِقِ، (إذَا) ظرفٌ للماضِي من الزمانِ متعلِّقٌ بقولِه: (تَفِيضَ) أيضًًا، (غَدَا) فعلٌ ماضٍ بمعنى صارَ، واسْمُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على عبدِ المَجِيدِ المَرْثِيِّ، (حَشْوَ) خبرُ غَدَا، وحَشْوَ مضافٌ و (رَيْطَةٍ) مضافٌ إليه، (وبُرُودِ) معطوفٌ على رَيْطَةٍ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (أنْ تَفِيضَ) ؛ حيثُ أَتَى بخبرِ (كادَ) فِعلًا مضارعًا مُقترنًا بأنْ، وذلك قليلٌ، والأكثرُ أنْ يَتَجَرَّدَ منها، ومثلُ هذا البيتِ قولُ الشاعرِ:

أَبَيْتُمْ قَبُولَ السِّلْمِ مِنَّا فَكِدْتُمُ ... لَدَى الحربِ أنْ تُغْنُوا السيوفَ عنِ السَّلِّ

وقولُ رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ:

رَبْعٌ عَفَاهُ الدَّهْرُ طُولًا فَامَّحَى ... قدْ كادَ مِن طُولِ البِلَى أنْ يَمْصَحَا

ومنهُ قولُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: (كادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ) .

ومعَ وُرُودِ المضارِعِ الواقِعِ خبرًا لكاد مقترنًا بأنْ ـ في الشعرِ والنثرِ ـ نَرَى أنَّ قولَ الأَنْدَلُسِيِّينَ: إنَّ اقترانَه بأنْ معَ كادَ ضرورةٌ لا يَجُوزُ ارتكابُها إلا في الشعرِ. غيرُ سديدٍ، والصوابُ ما ذَكَرَه الناظِمُ ـ مِن أنَّ تَجَرُّدَ خبرِ كادَ من أنِ المصدريَّةِ كثيرٌ في كلامِ العربِ، واقترانَه بأنْ قَلِيلٌ، لكنه ليسَ شاذًّا ـ وهو في هذا تابِعٌ لِسِيبَوَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت