فهرس الكتاب
كأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ ... كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ [1]
ولم يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ في (كَرَبَ) إلاَّ تَجَرُّدَ خَبَرِها مِن (أنْ) ، وزَعَمَ المصنِّفُ أنَّ الأصحَّ خلافُه، وهو أنها مِثْلُ (كادَ) ، فيكونُ الكثيرُ تَجْرِيدَ خَبَرِها مِن (أنْ) ، ويَقِلُّ اقترانُه بها؛ فمِن تَجْرِيدِهِ قَوْلُه:
91 -كَرَبَ الْقَلْبُ مِنْ جَوَاهُ يَذُوبُ ... حِينَ قَالَ الْوُشَاةُ هِنْدٌ غَضُوبُ [2]
وسُمِعَ مِن اقترانِه بها قولُه:
92 -سَقَاهَا ذَوُو الأَحْلاَمِ سَجْلًا عَلَى الظَّمَا وقد كَرَبَتْ أَعْنَاقُهَا أَنْ تَقَطَّعَا [3]
(1) (كأَنْشَأَ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، أَنْشَأَ: فعلٌ مَاضٍ ناقِصٌ، (السائِقُ) اسْمُه، (يَحْدُو) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدَّرَةٍ على الواوِ مَنَعَ مِن ظُهُورِها الثِّقَلُ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، والجملةُ من الفعلِ وفاعلِه في مَحَلِّ نصبِ خبرِ أَنْشَأَ، (وطَفِقْ) معطوفٌ على أَنْشَأَ، (كَذَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (جَعَلْتُ) قُصِدَ لفظُه: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ) معطوفانِ على جَعَلْتُ.
(2) قِيلَ: إنَّ هذا البيتَ لرجلٍ مِن طَيِّئٍ، وقالَ الأَخْفَشُ: إنه للكَلْحَبَةِ اليَرْبُوعِيِّ أَحَدِ فُرسانِ بني تَمِيمٍ وشُعَرَائِهِم المُجِيدِينَ.
اللغةُ: (جَوَاهُ) الجَوَى: شِدَّةُ الوَجْدِ، (الوُشَاةُ) جمعُ وَاشٍ، وهو النمَّامُ السَّاعِي بالإفسادِ بينَ المُتَوَادِّينَ، والذي يَسْتَخْرِجُ الحديثَ بلُطْفٍ، ويُرْوَى: (حينَ قالَ العَذُولُ) وهو اللائِمُ، (غَضُوبُ) صفةٌ مِن الغَضَبِ يَسْتَوِي فيها المذكَّرُ والمؤنَّثُ؛ كصَبُورٍ.
المعنى: لقدْ قَرُبَ قلبي أنْ يَذُوبَ مِن شِدَّةِ ما حَلَّ به مِن الوَجْدِ والحُزنِ حينَ أَبْلَغَنِي الوُشَاةُ الذين يَسْعُونَ بالإفسادِ بَيْنِي وبينَ مَن أُحِبُّهَا أنها غاضِبَةٌ عَلَيَّ.
الإعرابُ: (كَرَبَ) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (القَلْبُ) اسْمُه، (مِن جَوَاهُ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (يَذُوبُ) الآتي، أو بقولِه: (كَرَبَ) السابِقِ، وجَوًى مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى القلبِ مضافٌ إليه، (يَذُوبُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى القلبِ، والجملةُ من يَذُوبُ وفاعلِه في مَحَلِّ نصبِ خبرِ كَرَبَ، (حِينَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: يَذُوبُ السابِقِ، (قالَ) فعلٌ ماضٍ، (الوُشَاةُ) فاعلُ قالَ، (هِنْدٌ) مبتدأٌ، (غَضُوبُ) خبرُه، وجملةُ المبتدأِ والخبرِ في محلِّ نصبِ مقولِ القولِ، وجملةُ قالَ وفاعلِه ومفعولِه في محلِّ جرٍّ بإضافةِ (حِينَ) إليها.
الشاهدُ فيه: قولُه: (يَذُوبُ) ؛ حيثُ أَتَى بخَبَرِ (كَرَبَ) فعلًا مضارعًا مُجَرَّدًا مِن أنْ.
(3) البيتُ لأبي يَزِيدَ الأَسْلَمِيِّ، مِن كَلِمَةٍ له يَهْجُو فيها إبراهيمَ بنَ هِشَامِ بنِ إسماعيلَ بنِ هِشامِ بنِ المُغِيرَةِ، والِيَ المدينةِ مِن قِبَلِ هِشَامِ بنِ عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ، وكانَ قد مَدَحَه من قَبْلُ فلم تَرُقْهُ مِدْحَتُه، ولم يُعْطِهِ، ولم يَكْتَفِ بالحِرمانِ، بل أَمَرَ به فضُرِبَ بالسِّيَاطِ، وأوَّلُ هذه الكَلِمَةِ قولُه:
مَدَحْتُ عُرُوقًا لِلنَّدَى مَصَّتِ الثَّرَى ... حَدِيثًا فلم تَهْمُمْ بأنْ تَتَرَعْرَعَا
نَقَائِذَ بُؤْسٍ ذَاقَتِ الفَقْرَ والغِنَى ... وحَلَّبَتِ الأيامَ والدَّهْرَ أَضْرُعَا
اللغةُ: (مَصَّتِ الثَّرَى حَدِيثًا) أرادَ أنهم حَدِيثُو عَهْدٍ بنِعْمَةٍ، فكَنَّى عن ذلك المعنى بهذه العبارةِ، ولمَّا عَبَّرَ عنهم أَوَّلًا بالعروقِ جَعَلَ الكنايةَ من جِنْسِ ذلك الكلامِ، (بأَنْ تَتَرَعْرَعَا) يُرْوَى بِرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ بينَهما عينٌ مهملةٌ، ويُرْوَى: (تَتَزَعْزَعَا) بزائيْنِ معجمتيْنِ بينَهما عينٌ مهملةٌ كذلك، ومعناه تَتَحَرَّكُ، يريدُ أنهم حَدَثَتْ لهم النعمةُ بعدَ البُؤْسِ والضِّيقِ، فليسَ لهم في الكرمِ عِرْقٌ ثَابِتٌ، فهم لا يَتَحَرَّكُونَ للبَذْلِ، ولا تَهِشُّ نفوسُهم للعَطاءِ، (نَقَائِذَ) جمعُ نَقِيذٍ بمعنى اسمِ المفعولِ، يُرِيدُ أنَّ ذَوِي قَرَابَةِ هؤلاء أَنْقَذُوهم مِن البُؤْسِ والفقرِ، (أَضْرُع) هو جمعُ ضَرْعٍ، والعبارةُ مأخوذةٌ من قولِ العربِ: حَلَبَ فلانٌ الدهرَ أَشْطُرَه، يريدونَ: ذاقَ حُلْوَه ومُرَّهُ، (ذَوُو الأحلامِ) أصحابُ العقولِ، ويُرْوَى: (ذوو الأرحامِ) وهمُ الأقارِبُ مِن جِهَةِ النساءِ، (سَجْلًا) ـ بفتحٍ فسكونٍ ـ الدَّلْوُ ما دامَ فيها ماءٌ، قليلًا كانَ ما فيها من الماءِ أو كثيرًا، وجمعُه سِجَالٌ، فإنْ لم يَكُنْ فيها ماءٌ أصلًا فهي دَلْوٌ لا غَيْرُ، ولا يقالُ حينَئذٍ: سَجْلٌ. والغَرْبُ - بفتحِ الغينِ المعجمةِ وسكونِ الراءِ المهملةِ - وكذلكَ الذَّنُوبُ - بفتحِ الذالِ المعجمةِ - مثلُ السَّجْلِ.
يُرِيدُ: أن الذي مَنَحَه ذوو أرحامِ هؤلاء إيَّاهُم شيءٌ كَثِيرٌ لو وُزِّعَ على الناسِ جميعًا لوَسِعَهُم وكَفَاهُم، ولكِنَّهم قومٌ بُخَلاَءُ ذَوُو أَثَرَةٍ وأَنَانِيةٍ، فلا يَجُودُونَ وإنْ كَثُرَ ما بأَيْدِيهِم وزَادَ عن حاجَتِهِم.
المعنى: إن هذه العروقَ التي مَدَحْتُها فرَدَّتْنِي إنما هي عروقٌ ظَلَّتْ في الضَّرِّ والبُؤْسِ حتى أَنْقَذَها ذَوُو أَرْحَامِها بعدَ أنْ أَوْشَكَتْ أنْ تَمُوتَ، ويَقْصِدُ بذوي أَرْحَامِها بَنِي مَرْوَانَ.
الإعرابُ: (سَقَاهَا) سَقَى: فعلٌ ماضٍ، وضميرُ الغائبةِ مفعولُه الأوَّلُ، (ذَوُو) فاعلُ سَقَى، وذوو مضافٌ و (الأحلامِ) مضافٌ إليه، (سَجْلًا) مفعولٌ ثانٍ لِسَقَى، (على الظَّمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِسَقَاها، (وقد) الواوُ واوُ الحالِ، قدْ: حرفُ تَحْقِيقٍ، (كَرَبَتْ) كَرَبَ: فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (أَعْنَاقُهَا) أعناقُ: اسمُ كَرَبَ، وأعناقُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (أنْ) مصدريَّةٌ، (تَقَطَّعَا) فعلٌ مضارعٌ حُذِفَتْ منه إحدَى التاءيْنِ ـ وأصلُه: تَتَقَطَّعَا ـ منصوبٌ بأنْ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مستتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى أعناقُ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبِ خبرِ كَرَبَ، والجملةُ مِن كَرَبَ واسمِها وخَبَرِها في محلِّ نصبٍ حالٌ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (أنْ تَقَطَّعَا) ؛ حيثُ أَتَى بخَبَرِ (كَرَبَ) فِعلًا مضارعًا مُقْتَرِنًا بأنْ، وهو قليلٌ، حتى إنَّ سِيبَوَيْهِ لم يَحْكِ فيه غيرَ التجرُّدِ من (أنْ) ، وفي مثلِ هذا البيتِ رَدٌّ عليه.
ومثلُه قولُ الراجِزِ، وهو رُؤْبَةُ بنُ العَجَّاجِ:
قدْ بُرْتَ أَوْ كَرَبْتَ أَنْ تَبُورَا ... لَمَّا رَأَيْتَ بَيْهَسًا مَثْبورَا
ومِن وُرُودِ خَبَرِ (كَرَبَ) مضارعًا غيرَ مُقْتَرِنٍ بأنْ ـ سِوَى الشاهدِ السابقِ (رَقْمِ 91) ـ قولُ عمرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ.
فلا تَحْرِمِي نَفْسًا عليكِ مَضِيقَةً ... وقد كَرَبَتْ مِن شِدَّةِ الوَجْدِ تَطْلُعُ