الصفحة 241 من 811

وخُرِّجَ على أنَّ اللامَ زائدةٌ؛ كما شَذَّ زِيَادَتُها في خبرِ (أَمْسَى) ، نحوُ قولِهِ:

100 -مَرُّوا عَجَالَى فَقَالُوا كَيْفَ سَيِّدُكُمْ فَقَالَ مَنْ سَأَلُوا أَمْسَى لَمَجْهُودَا [1]

أي: أَمْسَى مجهودًا، وكما زِيدَتْ في خبرِ المبتدأِ شُذُوذًا؛ كقولِهِ:

101 -أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ [2]

(1) حَكَى العَيْنِيُّ أنَّ هذا البيتَ مِن أبياتِ (الكِتابِ) ، ولم يَنْسُبُوهُ إلى أحدٍ، وأَنْشَدَهُ أبو حَيَّانَ في (التَّذْكِرَةِ) مُهْمَلًا أيضًًا، وأَنْشَدَه ثَعْلَبٌ في أمالِيهِ، وأَنْشَدَه أبو عليٍّ الفارِسِيُّ، وأَنْشَدَهُ أبو الفَتْحِ ابنُ جِنِّيٍّ، ولم يَنْسُبْه أحدٌ مِنهم إلى قائلٍ معيَّنٍ، وقدْ رَاجَعْتُ كِتابَ سِيبَوَيْهِ لأُحَقِّقَ ما قالَه العَيْنِيُّ فلم أَجِدْه بينَ دَفَّتَيْهِ.

اللغةُ: (عَجَالَى) جمعُ عَجْلاَنَ ـ كسَكْرَانَ وسَكَارَى ـ ومن العلماءِ مَن يَرْوِيهِ: (عِجَالًا) بكسرِ العينِ على أنه جمعُ عَجُلٍ ـ بفتحٍ فضمّ، ٍ مِثْلُ رَجُلٍ ورِجَالٍ ـ ومنهم [مَن] يَرْوِيه: (سِرَاعًا) على أنه جمعُ سَريعٍ، (كيفَ سَيِّدُكُمْ) رُوِيَ في مكانِه: (كيفَ صَاحِبُكُمْ) ، وقولُه: (مَن سَأَلُوا) يُرْوَى هذا الفعلُ بالبناءِ للمعلومِ، على أنَّ جملةَ الفعلِ وفاعلِه لا محَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، والعائدُ محذوفٌ، وتقديرُ الكلامِ: فقالَ الذي سَأَلُوه، ويُرْوَى ببناءِ الفعلِ للمجهولِ، على أن الجملةَ صلةٌ، والعائدُ للموصولِ هو واوُ الجماعةِ، وكأنه قالَ: فقالَ الذين سُئِلُوا، (مَجْهُودَا) نالَ مِنه المَرَضُ والعِشْقُ حتى أَجْهَدَاه وأَتْعَبَاهُ.

الإعرابُ: (مَرُّوا) فعلٌ وفاعلٌ، (عجَالَى) حالٌ، (فقالوا) فعلٌ وفاعلٌ، (كيفَ) اسمُ استفهامٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (سَيِّدُكُمْ) سيِّدُ: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، وسيِّدُ مضافٌ، والضميرُ مضافٌ إليه، والجملةُ من المبتدأِ والخبرِ في محلِّ نصبٍ مقولُ القولِ، (قالَ) فعلٌ ماضٍ، (مَن) اسمٌ موصولٌ وفاعلُ قالَ، (سَأَلُوا) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: سَأَلُوه، وقد بَيَّنَّا أنه يُرْوَى بالبناءِ للمجهولِ؛ وعليه يكونُ العائدُ هو واوَ الجماعةِ التي هي نائبُ الفاعلِ، ويكونُ الشاعرُ قد رَاعَى معنَى مَن، (أَمْسَى) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى سَيِّدُكُم، (لَمَجْهُودَا) اللامُ زائدةٌ، (مَجْهُودَا) خبرُ أَمْسَى، وجملةُ أَمْسَى ومَعْمُولَيْهَا مقولُ القولِ في محَلِّ نَصْبٍ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (لَمَجْهُودَا) ؛ حيثُ زِيدَتِ اللامُ في خبرِ (أَمْسَى) ، وهي زيادةٌ شاذَّةٌ، ومثلُ هذا قولُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:

وما زِلْتُ مِنْ لَيْلَى لَدُنْ أَنْ عَرَفْتُهَا ... لَكَالْهَائِمِ الْمُقْصَى بِكُلِّ سَبِيلِ

حيثُ زادَ اللامَ في خبرِ (زالَ) ، وهو قولُه: (لَكَالْهَائِمِ) زيادةً شاذَّةً، وفي ذلكَ رَدٌّ لِمَا زَعَمَ الكُوفِيُّونَ مِن أنَّ اللامَ الداخِلَةَ في خبرِ لكِنَّ في قولِ الشاعِرِ:

* ولَكِنَّنِي مِنْ حُبِّهَا لَعَمِيدُ *

هي لامُ الابتداءِ، وحاصِلُ الردِّ عليهم بهذين الشاهديْنِ أنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللامَ التي في خبرِ لَكِنَّ هي ـ كما زَعَمْتُم ـ لامُ الابتداءِ، بل هي لامٌ زائدةٌ مُقْحَمَةٌ اقْتَرَنَتْ بخبرِ لَكِنَّ؛ بدليلِ أنَّ مثلَ هذه اللامِ قد دَخَلَتْ على أخبارٍ قد وَقَعَ الإجماعُ مِنَّا ومِنكم على أنَّ لامَ الابتداءِ لا تَقْتَرِنُ بها؛ كخبرِ أَمْسَى وخبرِ زالَ في البيتيْنِ.

(2) نَسَبَ جماعةٌ هذا البيتَ ـ ومِنهم الصَّاغَانِيُّ ـ إلى عَنْتَرَةَ بنِ عَرُوسٍ مولى بَنِي ثَقِيفٍ، ونَسَبَه آخرونَ إلى رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجَ، والأوَّلُ أكثرُ وأَشْهَرُ، ورَوَاهُ الجَوْهَرِيُّ.

اللغةُ: (الحُلَيْسِ) هو تَصْغِيرُ حِلْسٍ، والحِلْسُ ـ بكسرٍ فسكونٍ ـ كِساءٌ رَقِيقٌ يُوضَعُ تحتَ البَرْذَعَةِ، وهذه الكُنْيَةُ في الأصلِ كُنْيَةُ الأَتَانِ ـ وهي أُنْثَى الحِمارِ ـ أَطْلَقَها الراجِزُ على امرأةٍ؛ تَشبيهًا لها بالأتانِ، (شَهْرَبَهْ) بفتحِ الشينِ والراءِ، بينَهما هاءٌ ساكنةٌ، والمرادُ بها ههنا الكبيرةُ الطاعنةُ في السِّنِّ، (تَرْضَى مِن اللحْمِ) (مِن) هنا بمعنى البَدَلِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تعالى: {لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً} ؛ أي: بَدَلَكُم، وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا تَجُرُّه بالباءِ، وجَعَلْتَ أصلَ الكلامِ: تَرْضَى من اللحمِ بلحمِ عَظْمِ الرقبةِ ـ كانَتْ (مِن) دالَّةً على التبعِيضِ.

الإعرابُ: (أُمُّ) مبتدأٌ، وأمُّ مضافٌ (والحُلَيْسِ) مضافٌ إليه، (لَعَجُوزٌ) خبرُ المبتدأِ، (شَهْرَبَهْ) صفةٌ لعَجُوزٌ، (تَرْضَى) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى أُمُّ الحُلَيْسِ، والجملةُ صفةٌ ثانيةٌ لِعَجُوزٌ، (مِن اللَّحْمِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَرْضَى، (بعَظْمِ) مِثْلُه، وعظمِ مضافٌ و (الرقبةِ) مضافٌ إليه.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (لَعَجُوزٌ) حيثُ زادَ اللامَ في خبرِ المبتدأِ، والذَّهابُ إلى زيادةِ اللامِ أحدُ تَخريجاتٍ في هذا البيتِ، ومنها أنَّ (عَجُوزٌ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ كانَتِ اللامُ مقترنةً به، وأصلُ الكلامِ على هذا: أُمُّ الحُلَيْسِ لهي عجوزٌ ... إلخ، فحُذِفَ المبتدأُ، فاتَّصَلَتِ اللامُ بخبرِه، وهي في صدرِ المذكورِ مِن جُملتِها، وقد مَضَى بَحْثُ ذلك في بابِ المبتدأِ والخبرِ (انْظُرْ ما تَقَدَّمَ لنا ذِكْرُه في شرحِ الشاهِدِ رَقْمِ 53) .

ومِثْلُ هذا البيتِ قولُ أبي عَزَّةَ عَمْرِو بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُثْمَانَ يَمْدَحُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانَ قدِ امْتَنَّ عليه يَوْمَ بَدْرٍ:

فَإِنَّكَ مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ ... شَقِيٌّ وَمَن سَالَمْتَهُ لَسَعِيدُ.

الشاهِدُ في قَوْلِهِ: (مَن حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ) ، وفي قولِه: (مَن سَالَمْتَهُ لَسَعِيدُ) ؛ فإنَّ (مَن) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ في الموضعيْنِ، وقد دَخَلَتِ اللامُ على خَبَرِه في كلٍّ مِنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت