الصفحة 240 من 811

ولا تَدْخُلُ هذه اللامُ على خبرِ باقي أَخَوَاتِ (إنَّ) ، فلا تقولُ: (لَعَلَّ زيدًا لقائِمٌ) ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ دُخُولَهَا في خبرِ لَكِنَّ، وأَنْشَدُوا:

99 -يَلُومُونَنِي فِي حُبِّ لَيْلَى عَوَاذِلِي ... وَلَكِنَّنِي مِنْ حُبِّهَا لَعَمِيدُ [1]

(1) هذا البيتُ مِمَّا ذَكَرَ النُّحاةُ أنه لا يُعْرَفُ له قائِلٌ، ولم أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَ صَدْرَه قبلَ الشارِحِ العلاَّمَةِ، بل وَقَفْتُ على قولِ ابنِ النحَّاسِ:(ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى جوازِ دخولِ اللامِ في خبرِ لَكِنَّ، واسْتَدَلُّوا بقَوْلِهِ:

* ولكِنَّنِي مِن حُبِّهَا لَعَمِيدُ *

والجوابُ: أنَّ هذا لا يُعْرَفُ قائلُه ولا أَوَّلُه، ولم يُذْكَرْ مِنه إلا هذا، ولم يُنْشِدْه أحدٌ ممَّن وُثِّقَ في العربيَّةِ، ولا عُزِيَ إلى مشهورٍ بالضبطِ والإتقانِ). اهـ كلامُه.

ومِثلُه للأَنْبَارِيِّ في (الإنصافِ) (214) ، وقالَ ابنُ هِشامٍ في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) : (ولا يُعْرَفُ له قائلٌ، ولا تَتِمَّةٌ، ولا نَظِيرٌ) . اهـ.

ولا نَدْرِي أَرِوَايَةُ الصدرِ على هذا الوجهِ ممَّا نَقَلَه الشارِحُ العلاَّمَةُ، أم وَضَعَه مِن عِنْدِ نَفْسِه، أم ممَّا أَضَافَه بعضُ الرُّوَاةِ قديمًا لِتَكْمِيلِ البيتِ غيرَ مُتَدَبِّرٍ لِمَا يَجُرُّه هذا الفعلُ مِن عدمِ الثِّقَةِ، وإذا كانَ الشارِحُ هو الذي رَوَاهُ فمِن أيِّ المصادرِ؟ معَ تضافُرِ العلماءِ مِن قبلِه ومِن بعدِه على ما ذَكَرْنَا مِن أنه لا يُعْرَفُ أوَّلُه.

اللغةُ: (عَمِيدُ) مِن قولِهم: عَمَدَهُ العِشْقُ، إذا هَدَّهُ، وقيلَ: إذا انْكَسَرَ قَلْبُه مِن المَوَدَّةِ.

الإعرابُ: (يَلُومُونَنِي) فعلٌ مضارِعٌ مرفوعٌ بثُبُوتِ النونِ، وواوُ الجماعةِ فاعلٌ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ به، والجملةُ في محلِّ رفعٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، وهذا إذا جَرَيْنَا على اللغةِ الفُصْحَى، وإلاَّ فالواوُ حرفٌ دالٌّ على الجمعِ، وعَوَاذِلِي: هو فاعلُ يَلُومُ، وهذه لغةُ (أَكَلُونِي البَرَاغِيثُ) .

وقولُه: (في حُبِّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيَلُومُ، وحُبِّ مضافٌ و (ليلَى) مضافٌ إليه، (عواذلي) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ على الفُصْحَى، (ولَكِنَّنِي) لَكِنَّ: حرفُ استدراكٍ ونصبٍ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ اسمُه، (مِن حُبِّهَا) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقولِهِ: (عَمِيدُ) الآتي، وحبِّ مضافٌ وها: مضافٌ إليه، (لَعَمِيدُ) اللامُ لامُ الابتداءِ، أو هي زائدةٌ على ما سَتَعْرِفُ في بيانِ الاستشهادِ، وعميدُ خَبَرُ لَكِنَّ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (لَعَمِيدُ) ؛ حيثُ دَخَلَتْ لامُ الابتداءِ ـ في الظاهِرِ ـ على خَبَرِ لَكِنَّ، وجوازُ ذلك هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ.

والبَصْرِيُّونَ يَأْبَوْنَ هذا ويُنْكِرُونَه، ويُجِيبُونَ عن هذا البيتِ بأربعةِ أَجْوِبَةٍ:

أَحَدُها: أنَّ هذا البيتَ لا يَصِحُّ، ولم يَنْقُلْه أحدٌ مِن الأَثباتِ، فلا تَثْبُتُ به حُجَّةٌ.

الثاني: ما ذَكَرَه الشارِحُ العلاَّمَةُ مِن أنَّ اللامَ زائدةٌ، ولَيْسَتْ لامَ الابتداءِ.

الثالِثُ: سَلَّمْنَا صِحَّةَ البيتِ، وأنَّ اللامَ فيه للابتداءِ، ولكنَّها لَيْسَتْ داخلةً على خبرِ (لكِنَّ) ، وإنما هي داخلةٌ على خبرِ (إنَّ) المكسورةِ الهمزةِ المشدَّدَةِ النونِ، وأصلُ الكلامِ: (ولكِنْ إنني مِن حُبِّهَا لَعَمِيدُ) فحُذِفَتْ همزةُ (إنَّ) تخفيفًا، فاجْتَمَعَ أربعُ نُونَاتٍ؛ إحداهُنَّ نونُ (ولكِنْ) ، واثنتانِ نُونَا (إنَّ) ، والرابعةُ نونُ الوقايةِ، فحُذِفَتْ واحدةٌ منهنَّ، فبَقِيَ الكلامُ على ما ظَنَنْتَ.

الرابعُ: سَلَّمْنَا أنَّ هذا البيتَ صَحِيحٌ، وأنَّ اللامَ هي لامُ الابتداءِ، وأنها داخلةٌ على خبرِ لَكِنَّ، ولكنَّنا لا نُسَلِّمُ أنَّ هذا مما لا يَجُوزُ القياسُ عليه، بل هو ضرورةٌ وَقَعَتْ في هذا البيتِ بخصوصِه، والبيتُ المفرَدُ والبيتانِ لا تُبْنَى عليهما قاعدةٌ.

والتخريجانِ الثالثُ والرابعُ مُتَحَتِّمَانِ فيما ذَكَرَه الشارِحُ مِن الشواهِدِ (100، 101) ، وما نَذْكُرُه مِن قولِ كُثَيِّرٍ في شرحِ الشاهدِ الآتي، وكذلكَ في قولِ الآخَرِ:

أَمْسَى أَبَانُ ذَلِيلًا بعدَ عِزَّتِهِ ... وما أبانُ لَمِنْ أَعْلاَجِ سُودانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت