الصفحة 239 من 811

أنَّ وَصِلَتِها مصدرًا مبتدأً خَبَرُه محذوفٌ، والتقديرُ (فالغُفرانُ جَزَاؤُه) ، أو على جَعْلِها خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ (فَجَزَاؤُهُ الغُفْرَانُ) .

وكذلك يَجُوزُ الفتحُ والكسرُ إذا وَقَعَتْ (أنَّ) بعدَ مبتدأٍ هو في المعنَى قولٌ، وخَبَرُ (إنَّ) قولٌ، والقائلُ واحدٌ، نحوُ: (خيرُ القولِ إِنِّي أَحْمَدُ اللهَ) ، فمَن فَتَحَ جَعَلَ (أنَّ) وَصِلَتَهَا مصدرًا خبرًا عن (خَيْرُ) ، والتقديرُ: خيرُ القولِ حَمْدُ اللهِ، فـ (خيرُ) مبتدأٌ، و (حَمدُ اللهِ) خَبَرُه، ومَن كَسَرَ جَعَلَها جملةً خبرًا عن (خَيْرُ) ، كما تقولُ: (أَوَّلُ قِرَاءَتِي {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} ، فـ(أَوَّلُ) مبتدأٌ، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} جملةٌ خبرٌ عن (أَوَّلُ) ، وكذلك (خيرُ القولِ) مبتدأٌ، و (إني أَحْمَدُ اللهَ) خبرُه، ولا تَحْتَاجُ هذه الجملةُ إلى رابطٍ؛ لأنَّها نفسُ المبتدأِ في المعنى، فهي مثلُ: (نُطْقِي اللهُ حَسْبِي) ، ومَثَّلَ سِيبَوَيْهِ هذه المسألةَ بقولِهِ: (أَوَّلُ ما أَقُولُ أَنِّي أَحْمَدُ اللهَ) ، وخَرَّجَ الكسرَ على الوجهِ الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه، وهو أنه مِن بابِ الإخبارِ بالجُمَلِ، وعليه جَرَى جماعةٌ مِن المتقدِّمِينَ والمتأخِّرِينَ؛ كالمُبَرِّدِ والزَّجَّاجِ والسِّيرَافِيِّ وأبي بَكْرِ بنِ طَاهِرٍ، وعليه أكثرُ النَّحْوِيِّينَ.

وبعدَ ذاتِ الكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لاَمُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ: إِنِّي لَوَزَرْ [1]

يَجُوزُ دُخُولُ لامِ الابتداءِ على خبرِ (إنَّ) المكسورةِ [2] ، نحوُ: (إنَّ زيدًا لقائِمٌ) ، وهذه اللامُ حَقُّها أنْ تَدْخُلَ على أوَّلِ الكلامِ؛ لأنَّ لها صَدْرَ الكلامِ؛ فحَقُّها أنْ تَدْخُلَ على (إنَّ) ، نحوُ: (لإنَّ زيدًا قائمٌ) ، لكِنْ لَمَّا كانَتِ اللامُ للتأكيدِ وإنَّ للتأكيدِ كَرِهُوا الجمعَ بينَ حرفيْنِ بمعنًى واحدٍ؛ فأَخَّرُوا اللامَ إلى الخبرِ.

(1) (بعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بقَوْلِهِ: تَصْحَبُ الآتي، وبعدَ مضافٌ و (ذاتِ) مضافٌ إليه، وذاتِ مضافٌ و (الكَسْرِ) مضافٌ إليه، (تَصْحَبُ) فعلٌ مضارعٌ، (الخَبَرْ) مفعولٌ به لِتَصْحَبُ مُقَدَّمٌ على الفاعِلِ، (لامُ) فاعلٌ مُؤَخَّرٌ عن المفعولِ، ولامُ مضافٌ و (ابتداءٍ) مضافٌ إليه، (نَحْوُ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلك نحوُ، (إنِّي) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ التي هي ضميرُ المتكلِّمِ اسمُها، (لَوَزَرْ) اللامُ لامُ الابتداءِ، وهي للتأكيدِ، وَزَرْ: خبرُ إنَّ، ومعناه: المَلْجَأُ الذي يُعْتَمَدُ عليه ويُستعانُ به.

(2) يُشْتَرَطُ في خبرِ إنَّ الذي يَجُوزُ اقترانُ اللامِ به ثلاثةُ شروطٍ، ذَكَرَ المصنِّفُ منها شرطيْنِ فيما يأتي (وانْظُرْ ص 368) .

الأوَّلُ: أنْ يكونَ مُؤَخَّرًا عن الاسمِ، فإنْ تَقَدَّمَ على الاسمِ لم يَجُزْ دخولُ اللامُ عليه، نحوُ قولِكَ: إنَّ في الدارِ زيدًا، ولا فرقَ في حالة تأخُّرِهِ عن الاسمِ بينَ أنْ يَتَقَدَّمَ معمولُه عليه وأنْ يَتَأَخَّرَ عنه، وزَعَمَ ابنُ الناظِمِ أنَّ معمولَ الخبرِ لو تَقَدَّمَ عليه امْتَنَعَ دخولُ اللامِ على الخبرِ، وهو مردودٌ بنحوِ قولِهِ تعالى: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} ؛ فقد دَخَلَتِ اللامُ على الخبرِ في أَفْصَحِ الكلامِ معَ تَقَدُّمِ معمولَيْهِ، وهما (بِهِمْ) و (يَوْمَئِذٍ) .

الثاني: أنْ يكونَ الخبرُ مُثْبَتًا غيرَ مَنْفِيٍّ، فإنْ كانَ مَنْفِيًّا امْتَنَعَ دخولُ اللامِ عليه.

الثالثُ: أنْ يكونَ الخبرُ غيرَ جملةٍ فعليَّةٍ فِعْلُها ماضٍ متصرِّفٌ، غيرُ مُقْتَرِنٍ بقَدْ، وذلك بأنْ يكونَ واحدًا مِن خمسةِ أشياءَ: أَوَّلُها: المفرَدُ، نحوُ: (إنَّ زيدًا لقائِمٌ) .

وثانيها: الجملةُ الاسميَّةُ، نحوُ: (إنَّ أخاكَ لَوَجْهُهُ حَسَنٌ) .

والثالِثُ: الجملةُ الفعليَّةُ التي فِعْلُها مضارِعٌ، نحوُ: (إنَّ زيدًا لَيَقُومُ) .

والرابِعُ: الجملةُ الفعليَّةُ التي فِعْلُها ماضٍ جامِدٌ، نحوُ: (إنَّ زيدًا لَعَسَى أنْ يَزُورَنَا) .

والخامِسُ: الجملةُ الفعليَّةُ التي فِعْلُها ماضٍ متصرِّفٌ مقترِنٌ بقدْ، نحوُ: (إنَّ زيدًا لقد قامَ) .

ثم إذا كانَ الخبرُ جملةً اسميَّةً جازَ دخولُ اللامِ على أوَّلِ جُزْءَيْهَا، نحوُ: (إنَّ زيدًا لَوَجْهُه حَسَنٌ) ، وعلى الثاني مِنهما نحوُ: (إنَّ زيدًا وَجْهُهُ لَحَسَنٌ) ، ودُخُولُها على أوَّلِ الجُزْءَيْنِ أَوْلَى، بل ذَكَرَ صاحِبُ (البَسيطِ) أنَّ دُخُولَها على ثانيهما شاذٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت