فهرس الكتاب
ومُقْتَضَى كلامِ المصنِّفِ أنه يَجُوزُ فتحُ (إنَّ) وكَسْرُها بعدَ القَسَمِ إذا لم يَكُنْ في خَبَرِها اللامُ، سواءٌ كانَتِ الجملةُ المُقْسَمُ بها فِعْلِيَّةً والفعلُ فيها ملفوظٌ به، نحوُ: (حَلَفْتُ إنَّ زيدًا قائِمٌ) ، أو غيرُ ملفوظٍ به، نحوُ: (واللهِ إنَّ زيدًا قائمٌ) ، أو اسميَّةً، نحوُ: (لَعَمْرُكَ إنَّ زيدًا قائِمٌ) [1] .
وكذلك يَجُوزُ الفتحُ والكسرُ إذا وَقَعَتْ (إنَّ) بعدَ فاءِ الجزاءِ، نحوُ: (مَن يَأْتِنِي فإنَّه مُكْرَمٌ) ، فالكسرُ على جَعْلِ (إنَّ) ومَعْمُولَيْهَا جملةً أُجِيبَ بها الشرطُ، فكأنه قالَ: مَن يَأْتِنِي فهو مُكْرَمٌ، والفتحُ على جَعْلِ (أنَّ) وصِلَتِها مَصْدرًا مبتدأً، والخبرُ محذوفٌ [2] ، والتقديرُ: (مَن يَأْتِنِي فإِكْرَامُه مَوْجُودٌ) ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ خبرًا والمبتدأُ محذوفًا، والتقديرُ: (فجزاؤُه الإكرامُ) .
وممَّا جاءَ بالوجهيْنِ قولُه تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، قُرِئَ: (فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بالفتحِ والكسرِ، فالكسرُ على جَعْلِها جملةً جوابًا لِـ (مَن) ، والفتحُ على جَعْلِ
(1) اعْلَمْ أنَّ ههنا أربعَ صُوَرٍ:
الأُولَى: أنْ يُذْكَرَ فعلُ القَسَمِ وتَقَعَ اللامُ في خبرِ إنَّ، نحوُ قولِكَ: حَلَفْتُ باللهِ إنك لصادِقٌ، ومنه قولُه تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ)، وقولُه جَلَّ شأنُه: أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} .
والثانيةُ: أنْ يُحْذَفَ فعلُ القَسَمِ، وتَقَعَ اللامُ أيضًًا في خبرِ إنَّ، نحوُ قولِكَ: واللهِ إنكَ لمؤدَّبٌ، ومنه قولُه تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} .
ولا خِلافَ في أنه يَتَعَيَّنُ كَسْرُ همزةِ إنَّ في هاتيْنِ الصورتيْنِ؛ لأنَّ اللامَ لا تَدْخُلُ إلا على خبرِ إنَّ المكسورةِ.
والصورةُ الثالثةُ: أنْ يُذْكَرَ فعلُ القَسَمِ، ولا تَقْتَرِنَ اللامُ بخَبَرِ إنَّ؛ كما في البيتِ الشاهدِ السابقِ (رَقْمِ 98) ، ولا خلافَ أيضًًا في أنه يجوزُ في هذه الصورةِ وجهانِ: كسرُ همزةِ إنَّ، وفَتْحُها، على التأويليْنِ اللذين ذَكَرَهما الشارِحُ، وذَكَرْنَاهُما لكَ معَ بيانِ وجهِ كلِّ واحدٍ مِنهما في شرحِ الشاهدِ السابِقِ.
والصورةُ الرابعةُ: أنْ يُحْذَفَ فعلُ القَسَمِ، ولا تَقْتَرِنَ اللامُ بخَبَرِ إنَّ، نحوُ قولِكَ: واللهِ إنكَ عالِمٌ، ومِنه قولُه تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} .
وفي هذه الصورةِ خِلافٌ، والكُوفِيُّونَ يُجَوِّزُونَ فيها الوجهيْنِ، والبَصريُّونَ لا يُجَوِّزُونَ فتحَ الهمزةِ، ويُوجِبُونَ كَسْرَها، والذي حَقَّقَه أَثباتُ العلماءِ أنَّ مذهَبَ الكُوفِيِّينَ في هذا الموضِعِ غيرُ صحيحٍ؛ فقد نَقَلَ ابنُ هِشامٍ إجماعَ العربِ على الكسرِ، وقالَ السّيُوطِيُّ في جَمْعِ الجَوَامِعِ: (وما نُقِلَ عن الكُوفِيِّينَ من جوازِ الفتحِ فيها غَلَطٌ؛ لأنَّه لم يُسْمَعْ) . اهـ.
وعلى هذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كلامُ الناظِمِ، فيكونُ تجويزُ الوجهيْنِ مخصوصًا بذِكْرِ فعلِ القَسَمِ معَ عدمِ اقترانِ الخبرِ باللامِ، وهي الصورةُ التي أَجْمَعُوا فيها على جوازِ الوجهيْنِ.
(2) نَصَّ ابنُ مَالِكٍ على أنَّ الكسرَ في هذا الموضِعِ أَحْسَنُ مِن جِهَةِ القياسِ؛ لأنَّه لا يَحتاجُ إلى تقديرِ محذوفٍ، ولم يُقْرَأْ في القرآنِ الكريمِ بالفتحِ إلا في الموضِعِ الذي تَتَقَدَّمُ فيه أنَّ مفتوحةً، نحوُ: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ، وكالآيةِ التي تَلاها الشارِحُ.