الصفحة 237 من 811

رُوِيَ بفتحِ (أنَّ) وكَسْرِها، فمَن كَسَرَها جَعَلَها جملةً مستأنَفَةً، والتقديرُ: (إذا هو عبدُ القَفَا واللَّهَازِمِ) . ومَن فَتَحَها جَعَلَها مصدرًا مبتدأً، وفي خَبَرِه الوجهانِ السابقانِ، والتقديرُ على الأوَّلِ: (فإذا عُبُودِيَّتُه) ؛ أي: ففي الحَضْرَةِ عُبُودِيَّتُه، وعلى الثاني (فإذا عُبُودِيَّتُه مَوْجُودَةٌ) .

وكذا يَجُوزُ فتحُ (إنَّ) وكَسْرُها إِذَا وَقَعَتْ جوابَ قَسَمٍ وليسَ في خَبَرِها اللامُ، نحوُ: (حَلَفْتُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ) بالفتحِ والكسرِ، وقد رُوِيَ بالفتحِ والكسرِ قولُه:

98 -لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ الْقَصِيِّ ... مِنِّيَ ذِي الْقَاذُورَةِ المَقْلِيِّ

أَوْ تَحْلِفِي بِرَبِّكِ الْعَلِيِّ ... أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ [1]

(1) البيتانِ يُنسبانِ إلى رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ، وقالَ ابنُ بريٍّ: (هما لأعرابِيٍّ قَدِمَ مِن سَفَرٍ فوَجَدَ امرأتَه وَضَعَتْ وَلَدًا فأَنْكَرَه) .

اللغةُ: (القَصِيِّ) البعيدِ النائِي، (ذِي القاذُورةِ) المرادُ به الذي لا يُصاحِبُه الناسُ لِسُوءِ خُلُقِه، ويقالُ: هذا رجلٌ قَاذُورَةٌ، وهذا رجلٌ ذو قَاذُورَةٍ، إذا كانَ الناسُ يَتَحَامَوْنَ صُحْبَتَه لسُوءِ أخلاقِه ودَنِيءِ طِباعِه، (المَقْلِيِّ) المكروهِ، اسمُ مفعولٍ مأخوذٌ من قولِهم: قَلاَهُ يَقْلِيهِ، إذا أَبْغَضَه واجْتَوَاهُ، ويقالُ في فِعْلِه أيضًًا: قَلاَهُ يَقْلُوه، فهو يائِيٌّ وَاوِيٌّ، إلا أنه يَنْبَغِي أنْ يكونَ اسمُ المفعولِ الذي معَنا في هذا الشاهدِ مأخوذًا مِن اليائيِّ؛ لأنَّه لو كانَ من الواويِّ لقالَ: مَقْلُوٌّ؛ كما تقولُ: مَدْعُوٌّ ومَغْزُوٌّ، مِن دَعَا يَدْعُو، وغَزَا يَغْزُو.

الإعرابُ: (لَتَقْعُدِنَّ) اللامُ واقعةٌ في جوبِ قَسَمٍ محذوفٍ، تَقْعُدِنَّ: فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بالنونِ المحذوفةِ؛ لتوالي الأمثالِ، وياءُ المؤنَّثَةِ المخاطبَةِ المحذوفةِ للتخلُّصِ من الْتِقَاءِ الساكنيْنِ فاعلٌ، والنونُ للتوكيدِ، وأصلُه: (تَقْعُدِينَنَّ) فحُذِفَتْ نونُ الرفعِ فِرارًا من اجتماعِ ثلاثةِ نوناتٍ، فلمَّا حُذِفَتْ الْتَقَى ساكنانِ، فحُذِفَتْ ياءُ المؤنَّثَةِ المخاطَبَةِ للتخلُّصِ مِن الْتِقَائِهِما، وهي كالثابِتَةِ؛ لكونِ حَذْفِهَا لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، وللدَّلالةِ عليها بكسرِ ما قبلَها، (مَقْعَدَ) مفعولٌ فيه أو مفعولٌ مطلَقٌ، ومقعَدَ مضافٌ و (القَصِيِّ) مضافٌ إليه، (مِنِّي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَقْعُدِنَّ، أو بالقَصِيِّ، أو بمحذوفٍ حالٌ، (ذِي) نعتٌ للقَصِيِّ، وذِي مضافٌ و (القاذُورَةِ) مضافٌ إليه، (المَقْلِيِّ) نعتٌ ثانٍ للقَصِيِّ، (أو) حرفُ عطفٍ بمعنى إلاَّ، (تَحْلِفِي) فعلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بأنِ المضمَرَةِ بعدَ أنْ، وعلامةُ نصبِه حذفُ النونِ، وياءُ المخاطبَةِ فاعلٌ، (بِرَبِّكِ) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بتَحْلِفِي، ورَبِّ مضافٌ والكافُ مضافٌ إليه، (العَلِيِّ) صفةٌ لرِبِّ، (أني) أنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسمُه، (أبو) خبرُ أنَّ، وأبو مضافٌ وذَيَّا مِن (ذَيَّالِكِ) اسمُ إشارةٍ مضافٌ إليه، واللامُ للبُعْدِ، والكافُ حرفُ خِطابٍ، (الصبِيِّ) بَدَلٌ مِن اسمِ الإشارةِ أو عطفُ بيانٍ عليه، أو نعتٌ له.

الشاهدُ فيه: قولُه: (أني) ؛ حيثُ يَجُوزُ في همزةِ (إنَّ) الكسرُ والفتحُ؛ لكونِها واقعةً بعدَ فِعْلِ قَسَمٍ، لا لامَ بعدَه.

أمَّا الفتحُ فعلى تأويلِ أنَّ واسمِها وخبرِها بمصدرٍ مجرورٍ بحرفِ جرٍّ محذوفٍ، والتقديرُ: أو تَحْلِفِي على كوني أَبًا لهذا الصبيِّ.

وأمَّا الكسرُ فعلى اعتبارِ أنَّ واسمِها وخبرِها جملةً لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ جوابَ القَسَمِ.

ووجهُ جوازِ هذين الوجهيْنِ في هذا الموضِعِ أنَّ القَسَمَ يَسْتَدْعِي جَوَابًا لا بُدَّ أنْ يكونَ جملةً، ويَسْتَدْعِي محلوفًا عليه يكونُ مُفردًا ويَتَعَدَّى له فعلُ القَسَمِ بعلى، فإنْ قَدَّرْتَ (أنَّ) بمصدرٍ كانَ هو المحلوفَ عليه، وكانَ مفردًا مجرورًا بعلى محذوفةٍ، وإنْ قَدَّرْتَ أنَّ جملةً فهي جوابُ القَسَمِ. فتَنَبَّهْ لهذا الكلامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت