فهرس الكتاب
97 -وَكُنْتُ أُرَى زَيْدًا كَمَا قِيلَ سَيِّدًا ... إِذَا أَنَّهُ عَبْدُ الْقَفَا وَاللَّهَازِمِ [1]
(1) هذا البيتُ مِن شواهدِ سِيبَوَيْهِ التي لم يَنْسُبُوها، وقالَ سِيبَوَيْهِ قبلَ أنْ يُنْشِدَه (1/ 472) : (وسَمِعْتُ رجلًا من العربِ يُنْشِدُ هذا البيتَ كما أُخْبِرُكَ به) اهـ.
اللغةُ: (اللَّهَازِمِ) جَمْعُ لِهْزِمَةٍ ـ بكسرِ اللامِ والزايِ ـ وهي طَرَفُ الحُلْقُومِ، ويقالُ: هي عَظْمٌ ناتِئٌ تحتَ الأُذُنِ، وقولُه: (عبدُ القَفَا واللَّهَازِمِ) كنايةٌ عن الخِسَّةِ والدناءَةِ والذِّلَّةِ؛ وذلك لأنَّ القفا موضِعُ الصَّفْعِ، واللِّهْزِمَةَ موضِعُ اللَّكْزِ، فأنتَ إذا تَأَمَّلْتَ فيه ونَظَرْتَ إلى هذين الموضعيْنِ منه اتَّضَحَ لكَ أنه يُضْرَبُ على قَفَاهُ ولِهْزِمَتِه، وليسَ أحدٌ يُضْرَبُ على قَفَاهُ ولِهْزِمَتِه غيرَ العَبْدِ، فتَعْرِفُ من ذلك عُبُودِيَّتَه وذِلَّتَه ودَنَاءَتَه.
المعنى: كنتُ أَظُنُّ زَيْدًا سَيِّدًا كما قِيلَ له عنه، فإذا هو ذَلِيلٌ خَسِيسٌ لا سِيَادَةَ له ولا شَرَفٌ.
الإعرابُ: (كُنْتُ) كانَ: فعلٌ ناقِصٌ، والتاءُ اسْمُه، (أُرَى) بزِنَةِ المبنيِّ للمجهولِ ـ ومعناه أَظُنُّ ـ فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (زَيْدًا) مفعولُه الأوَّلُ، (كما) الكافُ جارَّةٌ، وما: مصدريَّةٌ، (قِيلَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، وما المصدريَّةُ معَ مَدْخُولِها في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بالكافِ؛ أي: كقولِ الناسِ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ يَقَعُ مفعولًا مُطْلقًا، والتقديرُ: ظَنًّا مُوَافِقًا قولَ الناسِ، (سَيِّدًا) مفعولٌ ثانٍ لأُرَى، والجملةُ مِن (أُرَى) وفاعلِها ومفعولَيْها في محَلِّ نصبِ خبرِ كانَ، (إِذَا) فُجَائِيَّةٌ، (أنه) أن: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والهاءُ اسْمُه، (عبدُ) خبرُ أنَّ، وعبدُ مضافٌ و (القَفَا) مضافٌ إليه، (واللَّهَازِمِ) معطوفٌ على القَفَا.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (إذا أنَّه) حيثُ جازَ في همزةِ (إنَّ) الوجهانِ، فأمَّا الفتحُ فعلى أنَّ تَقْدِيرَها معَ معمولَيْها بالمفردِ الذي هو مصدرٌ، وإنْ كانَ هذا المفرَدُ مُحتاجًا إلى مفردٍ آخَرَ لِتَتِمَّ بهما جملةٌ، وهذا الوجهُ يَتَأَتَّى على الراجِحِ عندَ الناظمِ مِن أنَّ (إذا) حرفٌ لا ظرفٌ، كما أنه يَتَأَتَّى على القولِ بأنها ظرفٌ، وأما الكسرُ فتَقْدِيرُهُا معَ معمولَيْها جملةٌ، وهي في ابتدائِها، قالَ سِيبَوَيْهِ: (فحالُ(إذا) ههنا كحالِها إذا قلتَ: مَرَرْتُ فإذا أنه عبدٌ، تُرِيدُ: مَرَرْتُ به فإذا العبوديَّةُ واللُّؤْمُ، كأنك قلتَ: مَرَرْتَ فإذا أَمْرُه العبوديَّةُ واللؤمُ، ثمَّ وضَعْتَ أنَّ في هذا الموضِعِ جازَ). اهـ.
وقالَ الأَعْلَمُ: (الشاهدُ فيه جوازُ فتحِ إنَّ وكَسْرُها بعدَ إذا، فالكَسْرُ على نِيَّةِ وُقُوعِ المبتدأِ، والإخبارِ عنه بإذا، والتقديرُ: فإذا العبوديَّةُ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ الخبرَ محذوفًا على تقديرِ: فإذا العبوديَّةُ شأنُه) . اهـ.
والمُحَصَّلُ مِن وُجُوهِ الإعرابِ الجائزِ في هذا الأسلوبِ أنْ نقولَ لكَ:
أمَّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ إذَا الفُجَائِيَّةَ ظرفٌ، فأَوْجَبَ فتحَ همزةِ إنَّ، وجَعَلَ أنَّ وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ، ويجوزُ لكَ حينَئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ من الإعرابِ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المصدرُ مبتدأً خبرُه إذا نفسُها.
والثاني: أنْ يكونَ المصدَرُ مبتدأً خبرُه محذوفٌ؛ أي: فإذا العبوديَّةُ شأنُه، أو فإذا العبوديَّةُ موجودةٌ، وهذا تقديرُ الشارِحِ كغيرِه.
والثالِثُ: أنْ تَجْعَلَ المصدرَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: فإذا شأنُه العبوديَّةُ، وهذا تقديرُ سِيبَوَيْهِ كما سَمِعْتَ في عِبارتِه.
وأمَّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ إذا الفجائيَّةَ حرفٌ فأجازَ فتحَ همزةِ إنَّ، وأجازَ كَسْرَها، فإنْ فَتَحْتَهَا فهي ومدخولُها في تأويلِ مصدرٍ، ولكَ وجهانِ من الإعرابِ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ المصدرَ مبتدأً خبرُه محذوفٌ.
والثاني: أنْ تَجْعَلَ المصدرَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، وليسَ لكَ على هذا أنْ تَجْعَلَ (إذا) نفسَها خبرَ المبتدأِ؛ لأنَّ إذا حينَئذٍ حَرْفٌ وليسَتْ ظرفًا، وإنْ كَسَرْتَها فليسَ لكَ إلا الإعرابُ الظاهرُ؛ إذ ليسَ في الكلامِ تقديرٌ. فاحْفَظْ هذا واللهُ تعالى يُرْشِدُكَ.